fbpx
الادب

ابنك ولكن ليس من صلبك / م.عزام حدبا

في العادة يتعلق الانسان بمن تربطه بهم صلة الدم، ويتعلق الانسان بأولاده بشكل خاص.. خاصة الأم فهي التي تتعب في الحمل والرضاعة والعناية.. لذلك ندأب دوما على تشبيه الكتابة بالولد. فنقول “ولدت هذه القصيدة بعد مخاض عنيف”.. أو نقول “أبصر كتابي النور”.. لا أحد في العادة يتعلق بنصوصنا كما نتعلق بها نحن ولا أحد يفهمها كما نفهمها نحن ولا أحد يحن اليها كما نحن إليها نحن.. هل تعرف أن كثيرا من القراء لا يكمل نصوصك ويكتفي بضغط زر أعجبني بعد قراءة بضعة أسطر منها؟ أنا أعرف، لأني افعل هذا في كثير من الأحيان، بالمقابل أتوقف مليا أمام كل مقال كتبته في الماضي، أتلذذ بإعادة قرائته وتأمله تماما كما أتلذذ بتأمل صور أولادي وهم صغار في حين أمر على صور بقية الأطفال بسرعة البرق وبدون اهتمام ومبالاة.

ولكن هناك ناحية مهمة فاتتني.. كما في الحياة كذلك في الكتابة.. في الحياة يقولون “رب أخ لك لم تلده أمك”، ويقولون “فلان إبني ولكن ليس من صلبي”، ويقولون أيضا: الأم هي التي تربي وليست التي تلد.. من الممكن بل من الممكن جدا أن يتعلق الانسان بنص لم يكتبه ولكنه خرج أمامه فجأة من حيث لا ينتظر ووجده يعبر عن الحالة التي يمر فيها شعوريا.. وحينها يمسك القارىء هذا النص بذهول ويضعه بعناية وسط أوراقه القديمة كوردة مهداة من حبيب ويحافظ عليه كما يحافظ على كنز ثمين، ويعود ليستذكره في كل حين..

لا أنكر إني كأي كاتب متعلق بنصوصي الخاصة، فهي أولادي من صلبي وهي التي تعبت في التقكير بها وهي التي تعبر عني.. لكني لا أخفيكم إني متعلق ببعض النصوص التي قرأتها واعجبتني حتى وجدتها تعبر عني بطريقة أفضل مما لو كتبتها بنفسي.. وأحيانا لم تعبر عني ولكن أبهرتني بإبداعها حتى صار هذا النص عندي بمعزة نصوصي الخاصة.. بل قد أتجرأ احيانا وأزرعه في كتبي – تحت اسم كاتبه- ليصاحب نصوصي ويرتع ويلعب معها، وأنا بدوري أهتم به حتى ينمو ويزهر دون أن أفرق بالمعاملة بينه وبين أخوته.. فيما يلي جزء من نص يشبه هذه النصوص التي ذكرتها لكم:

قل لهم

ان صـلاحيتهـم إنتهت.. وأن النبض في قلبك ليس بنبضهم.. وأن المكان فـي ذاكرتك ليس بمكانهم.. ولم يتبق لهم بك سوى الأمـس.. بكل ألم وأســى وذكـــرى الأمـــس..

قل لهم

إنـك نزفتهـم في لحظـات ألمـك كدمـك.. وإنـك أجهضتهـم فـي لحظـات غيابهـم كجنيـن ميـت بداخلـك.. وإنـك أطلقـت سراحهـم منـك كـالطيـور، وأغلقـت الأبـواب دونـهـم وعـاهـدت نفسـك ألا تفـتـح أبـوابـك إلا لو لقيت

الــذيــن يسـتـحـقـــونك..

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: