رواد الثقافة والأدب

العدوان-ليلى صلاح الصوص

 

مقدّمة:

لم يسجل التاريخ الإنساني حتى الآن فترة زمنية أو حضارية اختفت فيها ظاهرة العنف والعدوان من حياة الإنسان، والدليل على هذا أن التواصل في ممارسة العدوان ثابت بوضوح في سجلات التاريخ الحافلة بالأحداث والحروب منذ أقدم العصور وحتى يومنا هذا، ناهيك عن حوادث الاعتداء والعنف والتي لا تحصى بين الأفراد والجماعات.

والمتابع لمسيرة التاريخ يجد أن هذا العصر والذي يتباهى بالحضارة والعلمانية وسلطة الفكر والعلم والقانون، يظهر فيه من ممارسات العنف والعدوان على النطاق الفردي والجماعي والوطني أكثر بكثير ممّا مارسه الإنسان في العصور السابقة من عنف ولأي سبب تحت طائلة العقاب القانوني لأنها تقتصر على الأذى النفسي والمعنوي.

من هذه البيّنات، والتي لها ما يسندها من الملاحظات والتجارب الشخصية والاجتماعية حول مدى انتشار وحجم ظاهرة العنف والعدوان، يتّضح لنا بأن هذه الظاهرة تمثل صفة إنسانية يتمتع بها كل إنسان، فالإنسان بين معتد ومعتدى عليه، يُمارس العدوان على من هو أكثر منه ضعفاً، وإذا لم يفعل، أو لم يستطع، فإن عدوانه يرتد الى نفسه فيوقع العنف عليها بطريقة أو بأخرى..

ظاهرة العنف والعدوان استرعت اهتمام الإنسان منذ القدم في محاولة للحد منها، وقد عُنيَ بها الفلاسفة والحكماء ورجال الدين والقانون والأدباء وعلماء الاجتماع والنفس والسياسيون والمختصون في العلوم البيولوجية والفيزيولوجية العصبية وغيرها من ضروب العلم والمعرفة. وبالرغم من الجهود الحثيثة، فإن هذه المحاولات لم تسفر الى نتائج إيجابية ولم تؤد الى خفض حقيقي لحوادث العنف، وعلى العكس فإن ظاهرة العنف بمختلف أشكالها، هي حتى في هذا العصر الصفة المميزة للسلوك الإنساني، وهي في تزايد مرعب، ولها أن تعطي الانطباع بأن شيطان العنف الإنساني قد أفلت من قمقمه وأن لا سبيل لإرجاعه إليه. (متي، 2003)

مفهوم العدوان:
العدوان سلوك مقصود يستهدف إلحاق الضرر أو الأذى بالغير وقد ينتج عن العدوان أذى يصيب إنساناً أو حيوانياً كما قد ينتج عنه تحطيم للأشياء أو الممتلكات ويكون الدافع وراء العدوان دافعاً ذاتياً ويمكن القول:
إن سلوك العدوان يظهر غالباً لدى جميع الأطفال وبدرجات متفاوتة ورغم أن ظهور السلوك العدواني لدى الإنسان يعد دليلاً على أنه يم ينضج بعد بالدرجة الكافية التي تجعله ينجح في تنمية الضبط الداخلي اللازم للتوافق المقبول مع نظم المجتمع وأعرافه وقيمه وانه عجز عن تحقيق التكيف والمواءمة المطلوبة للعيش في المجتمع وانه لم يتعلم بالدرجة الكافية أنماط السلوك اللازمة لتحقيق مثل هذا التكيف والتوافق – فإننا لا ينبغي أن ننزعج عندما نشهد بعض أطفالنا ينزعون نحو السلوك العدواني ، ويرى البعض أن وجود بعض العدوان لدى الناشئة في مرحلة الطفولة والمراهقة دليل النشاط والحيوية بل إنه أمر سوي ومقبول ويرى آخرون أن الإنسان لم يكن يستطيع أن يحقق سيطرته الحالية ولا حتى أن يبق على قيد الحياة كالجنس ما لم يهبه الله قدراً كبيراً من العدوان.
قد يكون ظهور السلك العدواني راجعاً إلى عدم اكتمال النضج العقلي والانفعالي لدى من يأتي بهذا السلوك.
لذلك فإن السلوك العدواني من طفل صغير على غيره من الأطفال وتجاه المحيطين به من أفراد الأسرة يأخذ في التضاؤل والانطفاء كلما كبر الطفل وتوفر له المزيد من فرص النمو في جوانب شخصيته المختلفة في النواحي الجسمية حين يكسب قدراً من الثقة في قدراته العقلية حيث يتوافر له المزيد من فرص النمو ولوظائفه العقلية في الإدراك والتفكير والتخيل وكلما توفر له مزيداً من فرص النمو الانفعالي فأصبح أكثر اتزاناً واستقراراً في انفعالاته. (مجيد، 2012)

عوامل السلوك العدوانيّ

 قد تزيد العوامل التالية من رغبة الشخص بالقيام بسلوك عدواني:

عوامل بيولوجيّة: أثبتت الدراسات أنّ الرجال هم الأكثر عرضةً للقيام بالسلوكيات العدوانيّة الجسديّة، وأنّه على الرغم من أن النساء يلجأن إلى السلوك العدواني بشكل أقل إلّا أنهنّ يستخدمن السلوكيات العدوانيّة غير الجسديّة مثل اللفظيّة، أو العدوانيّة في العلاقات الاجتماعيّة، أو الرفض الاجتماعي.

عوامل بيئية: تؤثّر البيئة التي تربّى بها الشخص على زيادة قيامه بالسلوكيات العدوانيّة، فالشخص الذي شاهد الكثير من السلوكيات العدوانيّة بكافة صورها في البيئة التي نشأ بها سيصبح في المستقبل على يقين بأن هذه التصرّفات مقبولةٌ اجتماعيّاً، وقد أثبتت التجربة التي جرت على دميّة صحة هذه الفرضية، وذلك عندما شاهد مجموعة من الأطفال شخصاً بالغاً يقوم بتصرّفات عدوانيّة تجاه دمية كانوا أكثر عرضةً للقيام بمثل هذه التصرّفات عندما أتيحت لهم الفرصة.

عوامل جسديّة: يمكن أنْ تؤثّر بعض العوامل الصحيّة والنفسيّة على زيادة السلوكيات العدوانيّة عند الشخص، مثل الإصابة بالصرع، أو الخرف، أو الذهان، أو تعاطي الكحول أو المخدرات، أو الإصابة بتشوهات، وإصابات الدماغ. (شيشاني، 2019)

مظاهر السلوك العدواني:
1ـ يبدأ السلوك العدواني بنوبة مصحوبة بالغضب والإحباط ويصاحب ذلك مشاعر من الخجل والخوف.
2ـ تتزايد نوبات السلوك العدواني نتيجة للضغوط النفسية المتواصلة أو المتكررة في البيئة.
3ـ أ الاعتداء على الأقران انتقاماً أو بغرض الإزعاج باستخدام اليدين أو الأظافر أو الرأس.
4ـ الاعتداء على ممتلكات الغير والاحتفاظ بها أو إخفائها بمدة من الزمن بغرض الإزعاج.
5ـ يتسم في حياته اليومية بكثرة الحركة، وعدم أخذ الحيطة لاحتمالات الأ1ى والإيذاء.
6ـ عدم القدرة على قبول التصحيح.
7ـ مشاكسة غيره وعدم الامتثال للتعليمات وعدم التعاون والترقب والحذر أو التهديد اللفظي وغير اللفظي.
8ـ سرعة الغضب والانفعال وسرعة الضجيج والامتعاض والغضب.
9ـ توجيه الشتائم والألفاظ النابية.
10ـ إحداث الفوضى في الصف عن طريق الضحك والكلام واللعب وعدم الانتباه.
11ـ الاحتكاكات بالمعلمين وعدم احترامهم والتهريج في الصف.
12ـ استخدام المفرقعات النارية سواء داخل المدرسة أم خارجها.
13ـ عدم الانتظام في المدرسة ومقاطعة المعلم أثناء الشرح. (مجيد، 2012)
أشكال العدوان:
«يمكن تصنيف العدوان إلى أشكال مختلفة، وإن كان هناك تداخل بين بعضها البعض أهمها:
يقسم العدوان من الناحية الشرعية إلى ثلاثة أقسام:
عدوان اجتماعي: وتشمل الأفعال العدوانية التي يظلم بها الإنسان ذاته أو غيره وتؤدي إلى فساد المجتمع، وهي الأفعال التي فيها تعد على الكليات الخمس وهي: النفس والمال والعرض والعقل والدين.
عدوان إلزام: ويشمل الأفعال التي يجب على الشخص القيام بها لرد الظلم والدفاع عن النفس والوطن والدين.
عدوان مباح: ويشمل الأفعال التي يحق للإنسان الإتيان بها قصاصاً، فمن اعتدى عليه في نفسه أو عرضه أو ماله أو دينه أو وطنه».

  • حسب الأسلوب:
    عدوان لفظي: عندما يبدأ الطفل الكلام، فقد يظهر نزوعه نحو العنف بصورة الصياح أو القول والكلام، أو يرتبط السلوك العنيف مع القول البذيء الذي غالباً ما يشمل السباب أو الشتائم واستخدام كلمات أو جمل التهديد.
    عدوان تعبيري إشاري: يستخدم بعض الأطفال الإشارات مثل إخراج اللسان، أو حركة قبضة اليد على اليد الأخرى المنبسطة، وربما استخدام البصاق وغير ذلك.
    عدوان جسدي: يستفيد بعض الأطفال من قسوة أجسامهم وضخامتها في إلقاء أنفسهم أو صدم أنفسهم ببعض الأطفال ويستخدم البعض يديه كأدوات فاعلة في السلوك العدواني، وقد يكون للأظافر أو الأرجل أو الأسنان أدوار مفيدة للغاية في كسب المعركة، وربما أفادت الرأس في توجيه بعض العقوبات.
    المضايقة: واحدة من صور العدوان التي تؤدي في الغالب إلى شجار وتكون أحياناً عن طريق السخرية والتقليل من الشأن.
    البلطجة والتنمر: ويكون الطفل المهاجم لديه تلذذ بمشاهدة معاناة الضحية، وقد يسبب للضحية بعض الآلام، منها الجسمية، ومنها شد الشعر أو الأذى أو الملابس أو القرص.
    عدوان مباشر: يقال للعدوان إنه مباشر إذا وجهه الطفل مباشرة إلى الشخص مصدر الإحباط وذلك باستخدام القوة الجسمية أو التعبيرات اللفظية وغيرها.
    عدوان غير مباشر: ربما يفشل الطفل في توجيه العدوان مباشرة إلى مصدره الأصلي خوفاً من العقاب أو نتيجة الإحساس بعدم النديّة، فيحوله إلى شخص آخر أو شيء آخر «صديق ،خادم، ممتلكات» تربطه صلة بالمصدر الأصلي، أي ما يعرف بكبش الفداء. كما أن هذا العدوان قد يكون كامناً، غالباً ما يحدث من قبل الأطفال الأذكياء، حيث يتصفون بحبهم للمعارضة وإيذاء الآخرين سخريتهم منهم، أو تحريض الآخرين للقيام بأعمال غير مرغوبة اجتماعياً.
  • حسب الضحية:
    عدوان فردي: يوجهه الطفل مستهدفاً إيذاء شخص بالذات، طفلاً كان «كصديقه أو أخيه أو غيره» أو كبيراً «كالخادمة وغيرها».
    عدوان جمعي: يوجه الأطفال هذا العدوان ضد شخص أو أكثر من شخص مثل الطفل الغريب الذي يقترب من مجموعة من الأطفال المنهمكين في عمل ما عند رغبتهم في استبعاده، ويكون ذلك دون اتفاق سابق بينهم. وأحياناً يوجه العدوان الجمعي إلى الكبار أو ممتلكاتهم كمقاعدهم أو أدواتهم عقاباً. وحينما تجد مجموعة من الأطفال طفلاً تلمس فيه ضعفاً، فقد تأخذه فريسة لعدوانيته.
  • عدوان نحو الذات:
    إن العدوانية عند بعض الأطفال المضطربين سلوكياً قد توجه نحو الذات، وتهدف إلى إيذاء النفس وإيقاع الأذى بها.
    وتتخذ صورة إيذاء النفس أشكالاً مختلفة، مثل تمزيق الطفل لملابسه أو كتبه أو كراسته، أو لطم الوجه أو شد شعره أو ضرب الرأس بالحائط أو السرير، أو جرح الجسم بالأظافر، أو عض الأصابع ، أو حرق أجزاء من الجسم أو كيها بالنار أو السجائر.
    عدوان عشوائي:
    قد يكون السلوك العدواني أهوجاً وطائشاً، ذا دوافع غامضة غير مفهومة وأهدافه مشوشة وغير واضحة، وتصدر من الطفل نتيجة عدم شعوره بالخجل والإحساس بالذنب الذي ينطوي على أعراض سيكوباتية في شخصية الطفل. مثل الطفل الذي يقف أمام بيته مثلاً ويضرب كل من يمر عليه من الأطفال بلا سبب، وربما جرى خلف الطفل المعتدي عليه مسافة ليست قليلة، وقد يمزق ثيابه أو يأخذ ما معه، ويعود فيكرر هذا مع كل طفل يمر أمامه، وربما تحايل عليه الأطفال إما بالكلام أو بالبعد عن المكان الذي يقف فيه هذا الطفل».(مجيد، 2012)

كيف يكون العدوان السلبي؟

يُظهر الأشخاص العدوانيون السلبيون سلوكا نمطيا. لقد تعلموا أن يقولوا الشيء الصحيح، ولكن لديهم موقف معاكس في أذهانهم.

العناد: لن يخبرك هذا الشخص أنه ليس سعيدا باختيارك. بدلا من ذلك، سيقولون أشياء تبدو جيدة، ولكن مع تلميح عدواني، كأن يقول لك على سبيل المثال: “جيد! إذا كان هذا ما تريده”.

مجاملات غامضة: غالبا ما تكون عبارتهم مغلفة بالسخرية. أنت لا تعرف إذا كان الكلام إيجابيا أو ساخرا. من الصعب معرفة إن كانوا صادقين أم لا. يقولون على سبيل المثال: “من المفروض أن تبدو أنيقا بهذه الثياب التي ترتديها”.

اختلاق الأعذار: من بين الأشياء التي تميز أصحاب هذا السلوك أنهم ليسوا صادقين. يقولون إنهم لا يريدون القيام بشيء ما، ويختلقون الأعذار لعدم القيام بما يطلب منهم، ويلقون عليك باللوم بطريقة ما. يمكن أن يكون هذا السلوك مربكا، ويجعلك تتخذ موقفا دفاعيا عندما يقول أشياء من قبيل: “آسف. لم أكن أعلم أنك في عجلة من أمرك للقيام بذلك”.

لعب دور الضحية: يلجأ هؤلاء الأشخاص إلى لعب دور الضحية بدلا من الاعتراف بمشاعرهم الحقيقية. يكاد يكون من الممتع مشاهدة مسرحياتهم، لأنهم يتقمصون الدور ويجيدون الظهور كضحايا. في هذه الحالة، يقولون على سبيل المثال: “من الغباء أن أذهب إلى هذا المتجر، لكنني سأذهب على أي حال”. (مجيد، 2012)

 

 أهمية المدرسة في ثلاثة جوانب:

  • البناء الاجتماعي: يتساوى الطلاب في المدرسة ولا يتميز أحد منه إلا بالتفوق العلمي أو الأخلاقي أو كليهما، وبهذا يجد الطفل المنبوذ في أسرته ترحيبا في المدرسة وفرصة لاكتساب التفوق لتظهر له شخصية محبوبة لم تظهر له في أسرته كما انه يندمج في مجموعة من أترابه تختلف شخصياتهم فيتعلم مبادئ التعامل واحترام الآخرين ومراعاة مصلحة الجماعة هذا إضافة إلى الانضباط الذي يتعلمه من خلال اللعب الجماعي والأنشطة المدرسية، وتظهر فيهم شخصيات قيادية ذات قدرة على تحمل المسؤولية.
  • البناء الأخلاقي: تقوم المدرسة بدور فعال في بناء الأخلاق إذا اختار المربي مدرسة فيها مدرسون أتقياء وأمناء ملتزمون بالشرع، وتضم كذلك قرناء صالحين. ويجب أن تتوحد أو تتقارب التوجيهات الأخلاقية التي تهتم بها الأسرة والمدرسة وإذا عرف المربي أن المدرسة تزرع العادات الحسنة فعليه أن يدعمها، أما إن كانت تلك العادات سيئة فيجب أن يتصل بالمدرسة وأن يحاول إقناع ولده بأن البشر كلهم عرضة للخطأ، ويقنعه بسوء هذه العادة وقبحها، كما يجب على المربي أن يسأل عن أخلاقيات ولده وسلوكه في المدرسة.
  • الإعداد الوظيفي: ليس المقصود بالإعداد الوظيفي تأهيل الطفل لممارسة مهنة تنفعه وتنفع امته، بل يتسع المفهوم ليشمل تأهيل المرأة لتكون زوجة وأما قبل كل شيء، وتأهيل الذكر ليكون عضوا صالحا في المجتمع وأبا مسؤولا وصاحب مهنة شريفة، والذي نفتقده إعداد المرأة للحياة الزوجية والأمومة، وكل الدول عادة توحد المناهج بين الذكور والإناث عدا بعضها، وإذا تخصص لذلك مادة بمعدل حصتين في الأسبوع للتدبير المنزلي والتربية الفنية، ولذا يقترح بعض المربين وتوسيع هذه المادة مقابل تقليص بعض المواد التي لا تحتاجها المرأة، وإضافة مناهج تعلم الفتاة حقوق الزوج وآداب التعامل وأساليب التجمل، وطرق تأثيث المنزل، وغيرها مما تحتاجه المرأة.(الله، 2016)

دور المدرسة في التربية

والمقصود بالمدرسـة، الهيئة التربوية التعليمية، التي يقـع في مسؤوليتها واجـب العمل باتجاهين متلازمين، همـا التربيـة، والتعليـم، فالطالب يشعر أن الفتــرة الزمنية المحصورة بين مجيئه إلى المدرسة، والخروج منها بعد انتهاء الدوام، هي فترة حرّة، خارجة عن مراقبة الأسرة، وسيطرتها. كما إن الأسـرة في قناعة، مـن أن أبناءها خرجـوا من دائرة مراقبتها، إلى دائرة ­أكثر رقابة، وأوسع حرصاً، تلك هي المدرسة، التي لا بد وان تأخذ دورها في تحقيق رغبة الطالب في أن يكون عنصراً نافعاً في بناء المجتمع، الذي أسرته لبنة من لبناته.

فالمعلم الذي يعتبر مهمته ضخ العلم للطالب، لتحقيق نسبة نجاح، دون أن يأخذ بالاعتبار، دوره في بناء شخصيته، لم يكمل رسالته، حتى لو حقق أعلى نسبة نجاح بين صفوف طلابه، ذلك انه نجـح فـي دوره العلمي، برغم إننا على يقين من أن التعليم يفتح الأذهان، ويوسـع المدارك، وينـمّي القدرات، والقابليات، فيما أخفق فــي دوره التربوي، مع علمنا بميل الطالب وحبّه، لتكوين شــخصيته ذاتياً دون وصي، أو وسيط. ولكي يكـون المعلم، الأنمـوذج الذي يمكن أن يؤثر في نفسية التلميذ، والطالب ، حتى يتخذه مثلاً له، يقلّده في سلوكه، وتصرفاته، وحتى فــي مشيته ، وحـركة يديه ، وطريقة حديثه، لابد أن يكون ذو كفاءة علمية متطورة، صادقاً مع نفسه، ومع طلابه، عادلاً فــي التعامل معهم ، مبتعداً عـن التشكي ، والتذمّـر ، وعــن الأحاديث التـي تثلــم شـخصيته ، وأن يجعل حركته في المجتمع، خارج سياج المدرسة، متوافقة مع مكانته التـربوية التعليميـة، وأن لا يحول العلاقة بينـه وبين طلابـه، إلـى علاقـة تجارية، في دروس خصوصية، وتكاليـف شــخصية، وأن يهتــم بأنشــطة طلابه اللاصفيّة اهتماماً جدياً، فيمكن لهذه الأنشطة  أن تمتص فائض الطاقة لديهم. (الموسوي، 2013)

النظريات المفسرة للسلوك العدواني:

تعددت النظريات المفسرة للسلوك العدواني نتيجة لتعدد أشكال العدوان ودوافعه، وسنعرض بعض هذه النظريات.

  • النظرية السلوكية:
    «يرى السلوكيون أن العدوان شأنه شأن أي سلوك يمكن اكتشافه ويمكن تعديله وفقاً لقوانين التعلم ولذلك وكزت البحوث والدراسات السلوكية في دراستهم للعدوان على حقيقة يؤمنون بها وهي أن السلوك برمته متعلم من البيئة ومن ثم فإن الخبرات المختلفة التي اكتسب منها شخص ما السلوك العدواني قد تمّ تدعيمها بما يعزز لدى الشخص ظهور الاستجابة العدوانية كلما تعرض للموقف المحبط.
    وانطلق السلوكيون إلى مجموعة من التجارب التي أجريت بداية على يد رائد السلوكية «جون واطسون» حيث أثبت أن الفوبيا بأنواعها مكتسبة بعملية تعلم ومن ثم يمكن علاجها وفقاً للعلاج السلوكي الذي يستند على هدم نموذج من التعلم الغير سوي وإعادة بناء نموذج تعلم جديد سوي.»
  • نظرية التعلم الاجتماعي:
    «إن هذه النظرية لا تقل أهمية عن غيرها من النظريات التي تناولت السلوك العدواني بالدراسة والبحث ويعتبر باندروا هو المؤسس الحقيقي لنظرية التعلم الاجتماعي في العدوان حيث تقوم هذه النظرية على ثلاثة أبعاد رئيسية:
    أ ـ نشأة جذور العدوان بأسلوب التعلم والملاحظة والتقيد.
    ب ـ الدافع الخارجي المحرض على العدوان.
    ج ـ تعزيز العدوان.
    ويؤكد باندورا وهوستون (1961م) على أن معظم السلوك العدواني متعلم من خلال الملاحظة والتقليد وهناك ثلاثة مصادر يتعلم منها الطفل بالملاحظة هذا السلوك وهي التأثير الأسري وتأثير الأقران وتأثير النماذج الرمزية كالتلفزيون.
    ويشير كلاً من هوستون وباندورا (1961م) إلى أن الأطفال يكتسبون نماذج السلوك التي تتسم بالعدوان من خلال ملاحظة أعمال الكبار العدوانية بمعنى أن الأطفال يتعلمون الأعمال العدوانية عن طريق تقليد سلوك الكبار.
    ويضيف البعض أن تأثير الجماعة على اكتساب السلوك العدواني يتم عن طريق تقديم النماذج العدوانية للأطفال فيقلدونها أو عن طريق تعزيز السلوك العدواني لمجرد حدوثه.
    وتفترض نظرية التعلم الاجتماعي أن السلوك العدواني لا يتشكل فقط بواسطة التقليد والملاحظة ولكن أيضاً بوجود التعزيز وأن تعلم العدوان عملية يغلب عليها الجزاء أو المكافأة التي تلعب دوراً هاماً في اختيار الاستجابة بالعدوان وتعزيزها حتى تصبح عادة يلجأ إليها الفرد في أغلب مواقف الإحباط، وقد يكون التعزيز خارجي مادي مثل إشباع العدوان لدافع محبط أو مكافأة محسوسة أو إزالة مثير كريه أو تعزيز معنوي مثل ملاحظة مكافأة أخرون على عدوانهم على تقدير الذات».
  • نظرية التحليل النفسي للعدوان:
    «ينظر مكدوجل والذي يعد أول مؤيدي هذه النظرية للعدوان على أنه غريزة فطرية ويعرفه بغريزة المقاتلة حيث يكون الغضب هو الانفعال الذي يكمن وراءها ولقد افترض فرويد أن اعتداءات الإنسان على نفسه أو على غيره سلوك فطري غير متعلم تدفعه إليه عوامل في تكوينه الفسيولوجي لتصريف العلقة العدائية التي تنشأ داخل الإنسان عن غريزة العدوان وتلح في طلب الإشباع ويعتبر فرويد من مؤسسي هذه النظرية، فالنموذج الذي يقدمه فرويد هو خفض التوتر، حيث ينشط سلوك الفرد بفعل المهيجات الداخلية وتجهز عندما يتخذ إجراءً مناسباً من شأنه أن يزيد أو يخفض المهيج.
    ويرى فرويد أن البشر كائنات بيولوجية دافعهم الرئيسي هو إشباع حاجات الجسد والإنسان مخلوق موجه نحو اللذة تدفعه نفس الغرائز التي تدفع الحيوانات، ولقد اعتبر فرويد غرائز الحياة (أهمها عنده الجنس) وغرائز الموت (أهمها عنده العدوان) هي التي تسر الحياة.
    وبالنسبة لغرائز الموت نجد أن «فرويد» يؤكد على أنها وراء مظاهر القوة والعدوان والانتحار والقتال لذا اعتبر غرائز الموت غرائز فطرية لها أهمية مساوية لغرائز الحياة من حيث تحديد السلوك الفردي حيث يعتقد فرويد أن لكل شخص رغبة لا شعورية في الموت.
    ولقد ألحق فرويد العدوان بأنه يبدو كأحد الغرائز والدوافع التي تضمنت نظام اللاشعور والتي أطلق عليها الهو. وفي بداية الأمر أدرك فرويد أن العدوان يكون موجه إلى جد كبر للخارج ثم أدرك بعد ذلك أن العدوان يكون موجهاً على نحو متزايد للداخل منتهياً عند أقصى مدى إلى الموت
  • النظرية البيولوجية:
    «تهتم هذه النظرية بالعوامل البيولوجية في الكائن الحي كالصبغيات والجينات الجنسية والهرمونات والجهاز العصبي المركزي واللامركزي والغدد الصماء والتأثيرات البيو كيميائية والأنشطة الكهربائية في المخ التي تساهم على ظهور السلوك العدواني، فقد أشارت دراسات مارك (1970) ومساير (1977) إلى أن هناك مناطق في أنظمة المخ هي الفص الجبهي والجهاز الطرفي مسؤولة عن ظهور السلوك العدواني لدى الإنسان ولقد أمكن بناءً على ذلك إجراء جراحات استئصال بعض التوصيلات العصبية في هذه المنطقة من المخ لتحويل الإنسان من حالة العنف إلى الهدوء أما عن العلاقة بين الهرمونات والعدوانية فقد اتضح أن عدوانية الذكور لها مكان بيولوجي مرتبط بهرمون جنس الذكورة ومن ثم أشار جاكلين (1971) إلى أن الذكور بوجه عام أكثر عدوانية في الإناث وذلك للدور الذي يلعبه هرمون الذكورة في علاقته بالعدوان كما توصل أيضاً إلى حقيقة هامة مؤداها أن الإناث تستطيع أن تكون أكثر عدواناً من الذكور بواسطة تعديل هرمون الذكري لديهم في فترة البلوغ».
  • نظرية العدوان الانفعالي:
    هي من النظريات المعرفية وترى أن العدوان يمكن أن يكون ممتعاً حيث أن هناك بعض الأشخاص يجدون استمتاعاً في إيذاء الآخرين، بالإضافة إلى منافع أخرى، فهم يستطيعون إثبات رجولتهم ويوضحوا أنهم أقوياء وذو أهمية وأنهم يكتسبون المكانة الاجتماعية، ولذلك فهم يرون أن العدوان يكون مجزياً مرضياً ومع استمرار مكافأتهم على عدوانهم يجدون في العدوان متعة لهم، فهم يؤذون الآخرين حتى إذا لم تتم إثارتهم انفعالياً، فإذا أصابهم ضجر وكانوا غير سعداء فمن الممكن أن يخرجوا في مرح عدواني إن هذا العنف يعززه عدد من الدوافع والأسباب وأحد هذه الدوافع أن هؤلاء العدوانيين يريدون أن يبينوا للعالم وربما لأنفسهم أنهم أقوياء ,ولابّد أن يحظوا بالأهمية والانتباه, فقد أكدت الدراسات التي أجريت على العصابات العنيفة من الجانحين المراهقين بأن هؤلاء يمكن أن يواجهوا الآخرين غالباً لا لأي سبب بل من أجل المتعة التي يحصلون عليها من إنزال الألم بالآخرين بالإضافة إلى تحقيق الإحساس بالقوة والضبط والسيطرة وطبقاً لهذا النموذج في تفسير العدوان الانفعالي فمعظم أعمال العدوان الانفعالي تظهر بدون تفكير فالتركيز في هذه النظرية على العدوان غير المتسم نسبياً بالتفكير ويعني هذا خط الأساس التي ترتكز عليها هذه النظرية ومن المؤكد أن الأفكار لها تأثير كبير على السلوك الانفعالي فالأشخاص الثائرين يتأثرون بما يعتبرونه سبب إثارتهم وأيضاً بكيفية تفسيرهم لحالتهم الانفعالية.
  • نظرية الإحباط:
    يقدم «دولار وميلر» تفسيراً للسلوك العدواني من خلال نظريتهما التي قامت على فرض الإحباط – العدوان, وتفترض هذه النظرية أن السلوك العدواني هو دائماً نتيجة للإحباط, وان الإحباط دائماً يؤدي إلى شكل من أشكال العدوان أي أن العدوان نتيجة طبيعية وحتمية للإحباط وفي أي وقت يحدث عمل عدواني يفترض أن يكون الإحباط هو الذي حرض عليه.
    كما تؤكد هذه النظرية على أن العدوان دافع غريزي داخلي لكن لا يتحرك بواسطة الغريزة كما بينت نظرية الغرائز بل نتيجة تأثير عوامل خارجية ويؤكد «دولارد» رائد هذه النظرية أن السلوك العدواني نتيجة طبيعية للإحباط ولقد بيّن «ميلر» أن الإنسان يستجيب للإحباط باستجابات كثيرة منها العدوان، وقد لا يتسبب بحسب الظروف التي يتم فيها الإحباط كما أن العدوان غالباً يحدث بدون إحباط مسبق لذا فإن من الواضح أن الإحباط قد لا يؤدي بالضرورة إلى العدوان وهذا يتوقف على طبيعة الإحباط فقد يؤدي إلى قمع السلوك العدواني خاصة إذا نظر الطفل للإحباط على أنه عقاب للعدوان.

علاقة السلوك العدواني بالمراهقة:

أشارت العديد من الدراسات إلى أن فترة المراهقة ترتبط بالسلوك العدواني وذلك تنظرا للتغيرات الهائلة التي تطرأ على المراهق في هذه الفترة من حياته، من هذه الدراسات دراسة إيزلر1978، عن إعادة التكييف الاجتماعي للمراهقة وكذلك أراء العلماء والمختصين التي تربط بين هذه الفترة وبين العدوان.

وترجع أسباب المراهقين بالعدوان وإظهار العنف إلى الاستياء والألم الذي يشعرون به حينها يحاولون الحصول على أكبر قدر من الحرية، وحيث يصطدمون بسلطة الراشدين الكبار سواء من الآباء والمعلمين، وهو ما يحرمهم من ذوي السلطة وهذه المشاعر تثير لديهم الهياج والاضطراب ويعبر المراهقين عن مشاعرهم العدوانية هذه نحو الكبار داخل جماعة الأصدقاء بأشكال عدوانية كثيرة ومختلفة. (صالح، 1987)

 

 

خلاصة:

بعد استعراضنا لمختلف عناصر هذا البحث نستنتج أن السلوك العدواني ظاهرة غير مرغوب فيها في المجتمعات، كونها تلحق الأذى بالنفس بصفة خاصة، والممتلكات والآخرين بصفة عامة. وهو موضوع واسع بتعدد أشكاله وأسبابه الاجتماعية، النفسية والبيولوجية، وبتوقف سببها الرئيسي في طريقة تنشئة أبنائهم لأنهم يتعلمون في هذه المرحلة ويكتسبوا مختلف العبرات والسلوكيات وذلك بملاحظة المحيطين بهم، ولهذا من الضروري على الوالدين الحرص ومراقبة تصرفاتهم أمام أبنائهم والتعامل معهم وتوجيههم لغرض جعل استجابتهم مقبولة في المجتمع.

 

 

 

 

 

لائحة المراجع

 

سوسن شاكر مجيد. (19 نسيان, 2012). العدوان مفهومه نطرياته اشكاله. تم الاسترداد من الحوار المتمدن: https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=304037

عبد المحسن صالح. (1987). كتاب العربي، الكتاب الخامس عشر. تأليف عبد المحسن صالح، من أسرار الحياة والكون، (صفحة 111). مصر.

محمد بن محمود آل عبد الله. (14 نيسان, 2016). دور المدرسة في التربية. تم الاسترداد من المرجع الالكتروني للمعلوماتية: https://almerja.com/reading.php?idm=44747

محمود كريم الموسوي. (29 تشرين الاول, 2013). المدرسة .. وأثرها في سلوك الطالب. تم الاسترداد من النور: http://www.alnoor.se/article.asp?id=221950

ناديا فخري متي. (كانون الثاني, 2003). قضايا اجتماعية. تم الاسترداد من الجيش: https://www.lebarmy.gov.lb

نورا شيشاني. (21 كانون الثاني, 2019). مظاهر السلوك العدواني. تم الاسترداد من موضوع: https://mawdoo3.com

 

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: