رواد الثقافة والأدب

الطلاق أسبابه وتأثيره على الأبناء-هبة منيب الدنف

بحث تخرج  “دبلوم إعداد المرشد التربوي”

المقدمة

{  بسم الله الرحمن الرحيم }

ومن آياته ((أنْ خَلَقَ لَكُم مِن أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودةً ورحمة إن في ذلك لآيات لقومٍ يتفكرون )) سورة الرُّوم ٢١

لما كان الزواج سُنَّة الله في عبيده بين ذكر وأنثى . ومؤسسة إجتماعية لبناء عائلة يغمرها الحب والإحترام لتحقيق الإستقرار وإستمرارية الحياة بإنجاب الأطفال وتأسيس عائلة تحت لواء التفاهم المتبادل وإلتقاء روحي ونفسي وإنساني بين الزوجين ، فعلى قدر التناغم والتشابه في القيم الإجتماعية والإنسانية ومخافة الله في الشريك يكون الزواج ناجحاً …

لكن هذه المؤسسة المباركة .. كثيراً ما تعصف في سفينتها رياح الخراب . فتمزّق أشرعتها ويعيث فيها *أبغض الحلال عند الله دماراً وهو الطلاق* الذي مهما كانت أشكاله وأسبابه فهو جمرٌ حارق يحرق ركّاب السفينة وهم الأبناء الذين يتخبطون بأمواج الخوف وخسارة من يحبون ناهيك عن الحقد على من سبّب لهم خراب مملكتهم وتدمير نفسيتهم بعد ما رأوا  من خلافات وإختلافات بين أهلهم سببت لهم الضياع، لأن الإنفصال عن أحد الوالدين لا يعني فقدان المنزل فحسب  بل يتعدى ذلك لفقدان الحياة بكاملها … فيعاني من التشتت ويصبح أكثر عدوانية إضافة إلى وجود الكثير من الأولاد الذين يعانون من الإكتئاب والعزلة عن الآخرين …

الطلاق ظاهرة إجتماعية تتزايد أعدادها وأعداد ضحاياها يوماً بعد يوم … ولقد إخترته موضوعاً لبحثي و بشكل مختصر، وأذكر فيه أبرز الأسباب التي تؤدي إليه ،

وتأثيره على الأبناء …

 

 

٢ تعريف الطلاق لغةً واصطلاحاً

أ- تعريف الطلاق لغةً

إن الطلاق كلمة مُشتقّة من الفعل “طلق” بمعنى حرّر ، أو فك قيده . وطلقت الزوجة من الزوج بمعنى أنها خرجت من ذمّته أو عُصبتِهِ.

 

ب – تعريف الطلاق اصطلاحاً

هو فسخ عقد الزواج بين الرّجل وزوجته بإستخدام اللفظ المباشر ، أو ما يدل عليه ، أو وصف معناه بشكل صريح ، وقد يتم بشكل غير مباشر عن طريق القاضي الشرعي وبإتفاق الزوجين ..

 

٣ أنواع الطلاق

تختلف أنواع الطلاق من مجتمع إلى آخر ومن دين إلى دين

أ – الطلاق الرضائي أو الخلعي

وهو الذي يحصل بتراضي الزوجين حيث تتنازل الزوجة عن حقوقها في المهر ليوقّع الرجل على الطلاق بموافقته .

 

ب – الطلاق المباح

يكون مباحاً عند الحاجة إليه ممكن بسبب سوء أخلاق أحد الزوجين

ج- الطلاق الصريح أو المنجز : وهو الطلاق الذي يقع فور صدوره من الزوج بعد أن يقول لها (( أنتِ طالق )).

د- الطلاق المضاف : وهو الطلاق الذي يقع عند حلول الأجل الذي حدده الزوج .

ه- الطلاق المحرّم : وهو الطلاق الذي يقع في حال كانت المرأة حائضاً أو نفساء أو في حالة لا يجوز فيها طلاقها.

و- الطلاق الواجب : إذ يجب على الزوج أن يطلق زوجته إذا تسبب هذا الزواج في مخالفة الأحكام التي أوجبها الله ونهى عنها .

ز- الطلاق المكروه : يُكره الطلاق عند عدم وجود الحاجة إليه وذلك لما يسببه من الأضرار للزوج والزوجة .

ح- الطلاق المستحب : يكون الطلاق مباحاً عند الحاجة إليه وممكن بسبب سوء أخلاق أحد الزوجين.

٤-  أسباب الطلاق

ظروف طارئة تقع بين الشريكين لتحل الجفوة بدل المودة والقطيعة مكان الرحمة فيكون الفراق . كما جاء في قوله تعالى { وإن يفترقا يغني الله كلًا من سِعَتهِ وكان الله واسعاً حكيماً }

عادةً ما يكون إتخاذ قرار الطلاق ناجماً عن عدة تراكمات من بينها تجاهل التفاصيل المهمة التي قد تفسد صفوة حياة الشريكين وتدفعهما إلى وضع حد لعلاقتهما .

وتعددت الأسباب وكانت النتيجة (( الطلاق)) ومن هذه الأسباب :

  • النفور القلبي بين الزوجين بحيث لا يستطيع كلاهما أو أحداً منهما الإستراحة إلى معاشرة الآخر فيكون التفريق هو الحل .
  • أن يكون أحد الزوجين سيّء العشرة ولا يستطيع تقويم العلاقة الا بالتفريق بينهما عن طريق الطلاق .

ج- أن يكون الزوج لا يستطيع النفقة بحيث تتضرر الزوجة من ذلك وخاصةً في حالة عدم وجود مورد للزوجة واعتمادها على مورد الزّوج في النفقة فقط .

د- عقم أحد الأزواج ورغبة الآخر في الإنجاب وعدم تقبّله لانقطاع نسله.

ه- الوقاية من الأمراض المعدية مما يؤدي إلى نفور وخصام .

و- سوء المعاملة من أحد الأزواج إلى الآخر .

ز- زواج الزوج على زوجته دون رضاها .

ح- إستخدام العنف الجسدي أو اللفظي وانعدام الإحترام بين الزوجين .

ط- غياب أحد الزوجين عن الآخر وهجرته لمدة زمنية طويلة مثلاً بسبب السفر او النفي أو السجن أو غيرها …

ي- غياب دور الزّوج في تحمّل مسؤولية العائلة .

ك- سوء أخلاق أحد الزوجين .

ل- عدم فهم الطرفين كيفية التعامل السليم مع بعضهما البعض دون إندفاع وتهور وقت وجود مشكلة ما بينهما فيتطور الخلاف ليصل إلى الطلاق .

م- قد تحدث أسباب الطلاق نتيجة تدخل الأهل بشكل عكسي بمعنى أنه قد تكون المشكلة بسيطة حلّها ولكن كل من أهل الزوجين يريد الإنتصار للطرف الخاص به وبالتالي تتزايد المشاكل .

ن – الخيانة الزوجية من قبل أحد الزوجين .

س- عدم التفاهم وتباعد في القناعات ووجهات النظر وإنعدام المشاركات بين الطرفين فكل شريك يفكر بطريقة مختلفة عن الآخر.

ع- قلة الوازع الديني وعدم التحلي بالصبر والتسرّع في القرارات .

ف- كثرة الأوامر والأعباء المنزلية على كاهل الزوجة وعدم قدرتها على التحمّل.

ص- غياب الإنسجام بين الطرفين إذا كان كل واحد منهما من بيئة مختلفة وبأفكار متناقضة حيث كان أحدهما يراهن على تغيير الآخر بعد الزواج وهذا ما لم يحدث.

ق- إحساس بالنقص وعدم تلبية ما يشبع حاجات أحد الطرفين .

ر- أسباب مالية وإقتصادية وفروقات إجتماعية أو طمع أحد الطرفين المادي بما يمتلكه الآخر أو التبذير أو التقتير من الزوج على زوجته وأولاده.

ش- اليأس من التغيير أو التحسين في العلاقة بين الطرفين.

  • المقارنة الدائمة بين حياة الزوجين والآخرين.
  • إنعدام الإحترام وغياب الثناء على الإنجازات وعدم تقدير الآخر وجفاف العاطفة وغيبوبة المشاعر حيث تنطفئ اللهفة بحيث يصبح الطرفان يعتبران وجود الزوج من المسلّمات فينسى البعض الهدايا وتحضير المفاجآت وكل الأساليب المحبِبة التي كان يعتمدها قبل الزواج.

خ- عدم الثقة وكثرة سوء الظنون والتجني على الآخر بتوجيه الإتهامات.

ذ- إتباع نمط الشتائم والإستهزاء والصّراخ وغياب الحوار وانعدام التواصل .

 

٥– أثر الطلاق على ألأبناء

على المستوى النفسي

يُعتبر الطلاق المسبب الثاني للضغط عند الأطفال بعد موت الوالدان فيواجه الطفل مشكلات سلوكية ، وأكاديمية، وإنفعالية، وإجتماعية  كثيرة …

وقد يكون الطلاق بين الوالدين أو إنفصالهما في بعض الحالات أفضل وأرحم من إستمرار زواج فاشل . لكن يبقى التأثير الأول والأخير على الأبناء ويختلف باختلاف مراحل العمر.

ولكن معظم الأوقات يكون قاسياً على الأطفال خاصةً قبل بلوغ سن الثمانية عشر عاماً.

نظراً لأن الأطفال يعتمدون على الوالدين في شعورهم بالأمان فمن الطبيعي أن يشعر الطفل بالخوف والإرتباك عندما يرى أن أحد والديه يتألم بسبب حدوث الإنفصال كما قد يتعرّض للإضطراب وتشتت الإنتباه ، لأنه عاجز عن تفسير ما يحدث حوله ، فيظن أنه هو من تسبب في الطلاق أو قد يطالبون أنفسهم بتحمل مسؤولية محاولة لم شمل والديهم .

 

قد يعود الأطفال الصّغار إلى السّلوكيات التي كانوا قد تجاوزوها في السابق ،مثل التبوّل أثناء النّوم أو الرّغبة في إيذاء أنفسهم  أو تعرّضهم لنوبات الغضب والصراخ والتشنج والبكاء الدائم وقلة النوم . ناهيك عن القلق المستمر والإضطراب الذي يلازمه بسبب الإبتعاد عن أحد والديه وخاصةً والدته .

قد يعاني الأطفال الأكبر سناً من مجموعة مشاعر أخرى مثل الشعور بالذنب ويصبحون أكثر عدوانية عند الغضب وقد يتعرض البعض إلى الإكتئاب والقلق ويبدأون في الإنسحاب وحب العزلة عن الآخرين .

 

على المستوى التربوي والتعليمي

غالباً ما يعاني الأطفال الذين تعرّضوا لضغوطات الطلاق إلى مشكلات أكاديمية حيث يتراجع المستوى التعليمي لديهم و يتدنى مجموع علاماتهم ويعانون من الشرود وقلة التركيز والتوتر مخافة أن يسألهم رفاقهم او أي أحد غيرهم عن طلاق اهلهم فيصبحوا أقل إندماجاً مع أصدقائهم وتنخفض رغبتهم في الدرس وتحصيل العلوم وإنجاز المهام والدروس اليومية . ناهيك عن الشعور بالغيرة من أبناء صفهم الذين يعيشون في حياة عائلية سعيدة . فإما يتجه الطفل نحو الإنزواء والوحدة وتكون الكآبة رفيقة له أو يصبح عدوانياً صاحب سلوك عنيف .

على المستوى الإجتماعي

تزيد الإنفعالات وردّة الفعل عند الأطفال الذين عاشوا ألم إنفصال الوالدين . فيصبح عندهم خوف من الإندماج في المجتمع ومواجهة الناس . ويزداد عندهم الصمت والإنعزال والتهرب من المواجهة . ناهيك عن بعض الحالات بين ضحايا الطلاق وخاصة إذا كانوا في سن المراهقة حيث ينجرفون مع أصحاب السوء والمخدرات والإجرام .

ولا ننسى أن تفكك الأسرة يلغي أحادية القرار بين الوالدين فيضيع الطفل بين قرارين يكونا متناقضين – للمشاكسة وقهر الآخر ( ولو على حساب مصلحة الطفل ) – في معظم الأوقات خاصةً إذا حدث طلاق نزاعي … فيستغل الطفل سلوك الأهل حيث كل واحد منهما يريد أن يلبي إحتياجات الطفل ورغباته ليكسب وده و يستميله فيستغل الطفل هذا الوضع حيث يهدد برحيله إلى الطرف الآخر إذا لم تلبى إحتياجاته وهنا يبدأ الضياع والتشتت والخلل في التربية والقيم والأخلاقيات .

 

٦- كيف يمكن الحد من الأثر السلبي للطلاق ؟

يظهر الأثر السلبي للطلاق بوضوح لدى الأطفال عندما يكون آباؤهم في خصام دائم فيتحقق عندها الإنفصال . ومعظم الأطفال يحتاجون إلى وقتاً طويلاً لكي يعودوا إلى حالتهم الطبيعية لذا من المهم أن لا يوضع الطفل في بؤرة الصراع وهنا بعض الإرشادات التي قد تكون مفيدة :

  • عدم الطلب من الطفل أو المراهق أن ينحاز إلى أحد الوالدين ، كأن نقول له ( مع من يعجبك أن تعيش يا عزيزي ؟)
  • لا يُستخدم الطفل كسلاح لتهديد الطرف الآخر مثل حرمانه من الطفل .
  • لا لإنتقاد الشريك وذكر سيآته أمام الطفل.

د- اللجوء إلى إختصاصي شؤون أسرية و معالج نفسي وإستشارتهم دائماً للمساعدة في إعطاء نصائح تخفف من الأثر السلبي للطلاق يساعد الطفل على تخطي هذه المرحلة الصعبة بأقل خسائر ممكنة .

د- طمئن أطفالك بأنه مهما حدث ،إنك لا تزال تحبهم وأنكما ستواصلان العناية بهما معاً كوالدين ، وأنهم لن يحرموا منكما .

ه- خطط كيف تخبر أطفالك في مكان جيد وكن صريحاً واستخدم أسلوب واعٍ وحوار هادئ دون أن يشعر الطفل بالقلق.

و – شجع أطفالك على التحدث بصراحة عن مشاعرهم وكن مستمعاً جيداً ولا تقاطعهم وكن صبوراً رغم صعوبة الموقف.

ز- وضح لهم فكرة أنهم ليسوا سبب الإنفصال.

  • تأكد من أن أطفالك لا يسمعونك وأنت تتحدث بشأن المخاوف المالية وغيرها من القضايا المتعلقة بالطلاق لأنك ستحملهم مسؤولية التفكير في الأشياء التي لن يستطع حلها سوى البالغين.

 

 

٧- خاتمة

أولادنا فلذات أكبادنا … هم زينة حياة الدنيا وهم أمانةً أعطانا إياها الله سبحانه وتعالى . فيا ليتنا نكون أهلاً لتلك الأمانة … ويا ليتنا نتحلى بالصبر رغم مرارته لنتجاوز تحديات الحياة التي نواجهها … فإذا كان الأهل البالغين والراشدين لم يستطيعوا أن يتحمّلوا مصاعب الحياة وتحدياتها ، ولجأوا إلى الطلاق سبيلاً للخلاص والراحة … فما هو ذنب البراعم ليكون مصيرها الذبول قبل أن تزهر …وماذا يا ترى ممكن أن يطفئ لوعة الأطفال لإنفصال أهلهم؟؟؟

فإذا كان الصبر باب من أبواب الجنة ، لماذا لا نقصده؟؟

وإذا كانت الرحمات تنزل على الأهل الذين يكونون عوناً لأولادهم إنطلاقاً من تهيئة بيئة صالحة يتنفسون فيها الخُلق الرّفيع حتى التحلي بالأدب والقيم والمبادئ ، فلماذا لا نكون سنداً لأبنائنا ونكون لهم ولا نكون نحن والدنيا عليهم …

بالرّضى والقناعة والصّبر تتلاشى المشكلات و تُذلل الصعوبات وتشرق شمس الأمل والخير والسعادة في دنيانا ودنيا من كنّا سبباً لمجيئهم إلى هذه المسكونة ( الأرض) فنفرح لفرحهم ونكون سبباً لنجاحهم عبر تحمل مسؤولية قرار إنجابهم ونسأل الله العون ليقدرنا على تنشئتهم على الصراط المستقيم المزيّن ب(( التربية الإيجابية ))….

 

٨- المراجع

  • القيسي ، سليم والمجالي ، قبلان (2000) أسباب الطلاق في محافظة الكرك – دراسة ميدانية – مركز البحوث التربوي ، جامعة قطر ، العدد 18 السنة التاسعة .
  • قائمي ، علي (1994) الأسرة وقضايا الزواج ، لبنان : دار النبلاء
  • مرسي ، كمال إبراهيم (1995) العلاقة الزوجية والصحة النفسية في الإسلام وعلم النفس ط٢ ، الكويت دار القلم للنشر والتوزيع.
  • الياسين ، جعفر (1988) أثر التفكك العائلي في جنوح الأحداث ، لبنان ، عالم المعرفة .
  • أبو أسعد ، أحمد عبد اللطيف (2010 ) سيكولوجية المشكلات الأسرية (التفكك الأسري ) عمان – دار المسيرة للنشر والتوزيع الطبعة الأولى 2011 – الطبعة الثانية 2014

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: