رواد الثقافة والأدب

الأدب والتربية الابداعية -كارين نزيه حسّون

بحث تخرُّج “دبلوم إعداد المرشد التربوي”

مُقَدِّمة

الأدَبُ والتَّربية، مُصطَلَحانِ قَد يَبدُوانِ مُختَلِفَينِ لِلوَهلَةِ الأولى، لكنَّهُما على وجهِ الحَقيقَةِ يكادانِ يكونانِ مرادِفَينِ لِبَعضِهِما لِما يحمِلانِهِ مِنْ مَهامٍّ ووظائفٍ تكادُ تتطابَقُ.

في بَحثِيَ هذا الماثِلِ بَينَ أيديكُم، سأتناوَلُ أهمِّية كُلٍّ منهُما وكيفَ يَصُبّانِ في مصلحةِ بعضِهِما، بِشَكلٍ مُتَوازٍ تمامًا.

أُوَجِّهُ هذا البحثَ إلَيكُم، إلى من يَقرَأ وسَيقرَأ، إلى كُلِّ الفِئاتِ العُمرِيَّة، إلى كُلِّ فَردٍ فيكُم، إلى كُلِّ باحثٍ.

فَبرغم كُلِّ اختِلافاتِنا، نَجتَمِعُ ها هُنا على مائدَتَي الأدبِ والتَّربية.

بدايةً، فَإنَّ مفهومَ التَّربية يرتكزُ نحوَ تحقيقِ التَّنمية المتوازنة في الشَّخصيّة الإنسانيَّة.

أمّا النَّواحي التَّربويَّة في دَور الأدب، فَإنَّها ترمي إلى كيفيَّة الاِستفادة من مُتعة الأدب في إحداث التَّغيير في السُّلوك الإنسانِيّ إلى الأفضل دَومًا.

إن دَور الأديب هُنا لا يَكون بشكلٍ مُباشرٍ، أي أنْ يضمَّ أدبهُ المواعظ وما إلى ذلك، إنَّما دَوره يكمُنُ بشكلٍ غير مباشرٍ، وهو فيما يترُك في النَّفس هذا الأديبُ من تأثيرٍ إيجابِيٍّ، باعتمادِه أسلوبهُ الفنيّ الذي هو بدَوره يتَولّى هذه المهمّة.

يقولُ الشّاعر نزار قبّاني عِندما سُئل يومًا عن رِسالة الشِّعر، قال: “وظيفةُ الشِّعر أن يغيِّر العالَم، وأن يزيدَ مساحةَ الجَمال ويُقلِّل مساحة القُبح، وأن يجعلَ بحار العالَم أكثر زُرقة.وغاباتِ العالَم أكثر ورقًا.. ومدن العالم أكثر حريّة..  والإنسان أكثر إنسانية”.

 ومن هُنا، نستطيعُ التَّأكُّد من أنَّ للأدب آثاره التربويّة، ومن يُريد أن يوجِّه وأن يؤثِّر عليه أن يستعمل تلك الوسيلة الفنِّيَّة المِثالية الرّائِعة.

أ. كارين حسّون

دَورُ الأدبِ في العمليَّة التَّعليميَّة(1)

   يُمثِّل الأدب وما يرتبطُ بِهِ من أنشِطة لغوِيَّةٍ دَورًا محورِيًّا وأساسيًّا ومُحَفِّزًا مُهِمًا في العمليَّة التعليميَّة والتَّعلُّميّة، وعاملًا مؤثرًا في تكوين شخصية الطلّاب العلميَّة والاجتماعية وصقلها، عن طريق غرس عدد من المبادئ والمهارات والسلوكيات الإيجابيَّة. ويأتي في مقدِّمة هذه المهارات التعبيرُ عن الذات وعن الأفكار المزدحمة في أذهانهم بلُغةٍ سليمةٍ وواضحةٍ. وهذه المهارة بِالذّات تعد إحدى أكبر التحديات التي يُواجهُها أبناؤنا، وخاصَّةً مع تكاثُر وسائل الإلهاء كالألعاب الإلكترونيّة ووسائل التواصل وغيرها من الوسائل التكنولوجيَّة التي تُسهِم في تشتيت أذهانِهِم.

   ويجدُرُ بِنا التَّنويه أنَّ حِصص الأدب إن أُعطِيَت حقَّها فهي ستُسهِمُ في ترسيخ وتطوير مهارات التَّعلُّم الأساسية لدى الطّالب كالقراءة، الكتابة، السماع، والتحدُّث، وتنمية مهارة التَّفكير النَّقدي لديهِ كالاستقراء والتَّحليل. بالإضافة إلى تعزيز سلوكيات الطّالب الاجتماعية المهمة كالتشجيع على التواصل مع المجتمع، ورفع الإحساس بالمسؤولية الاجتماعية، وتنمية روح العمل مع الفريق. كما تؤدي الأنشطة الأدبية المختلفة كحفظ الشعر وإلقائه، كتابة القصص وتحليلها، وكتابة المقالة الأدبية (وغيرها من الأنواع الأدبية) إلى تنمية روح المبادرة لدى الطلّاب، وتشجيعهم على المشاركة في الأنشطة الخارجية مثل المؤتمرات والندوات والفعاليات الثقافية والعلمية.

   إن من الملاحظات المقلقة توجّهُ البعض نحو التقليل من أهمية علوم اللُّغة العربية وآدابها وعلى وجهِ الخصوص في المدارس، والتَّشكيك في جدواها الفِعلِيّ. رغم ما تقدِّمه دراسات اللغة والأدب، ليس في تعزيز قيم الانتماء للهوية العربية وحسب، بل في تنمية وتطوير مهارات معرفية وشخصية مركزية في بناء الشخصية الإيجابية الناجحة لأبنائنا وأجيالِنا الصّاعدة.

الأدب والتربية الإبداعية في مرحلة الطّفولة(2)

   “إن الهَدف الأساسيَّ من التَّربية هو خلقُ رجال قادرين على صنع أشياء جديدة، ولا يقومون فقط بتكرار ما صنعته الأجيال السابقة”.

بياجيه

   يُعتبر الأدبُ أحد أهم المجالات التي تسعى التربية الإبداعية إلى توجيه الطفل نحوها إذا ما لوحظ وجود ميول أدبية لديه كتابة القصة والشِّعر على سبيل المِثال. وللأدب تأثير كبير على لغة الأطفال وتفكيرهم وسماتهم النفسية والشخصية.

ومن الأهمية بمكان أن يتعرض الطفل منذ الطفولة المبكرة للنماذج الأدبية المختلفة؛ لكي يتشكل لديه الحس والذوق الأدبي الفني. ففي البداية يسمع الطفل الأنشودة والقصة من الوالدين ومعلِّمة الروضة، وبعد أن يتعلم القراءة، يقرأ بنفسه ما يختار من القصص والأناشيد والمجلّات وغيرها.

 مفهومُ التَّربية الإبداعية:

   يُقصد بالتربية الإبداعية أن تَنصَبَّ اهتمامات وأساليب وأنشطة ونتائج التَّربية نحو مجال الإبداع، مع مراعاة خصائص وإمكانيات ومقومات كل من التربية وعمليات الإبداع ودورها بالنسبة للفرد والمُجتمع. أي أنها هي التربية في مجال الإبداع، وما يمكن أن يحدث بينهما من تفاعل ونشاط إيجابي متميز، مع توظيف خصائص الإبداع ومقوماته لإثراء حياة الفرد والمجتمع الحاضرة والمستقبلية، وتنميتها، وتطويرها لمواجهة ما يطرأ عليها من متغيرات ومواقف ومتطلبات، بأفضل صورة ممكنة (نجيب، 1994).

تعريف أدب الأطفال:

ويعرف أدب الأطفال بأنه في مجموعه هو: «الآثار الفنية التي تصور أفكارًا وأحاسيس وأخيلة تتفق ومدارك الأطفال وتتخذ أشكال القصة والمسرحية والمقالة والأغنية» (الهيتي، 1979) في (أبو فنة، 2001).

دورُ أدبِ الأطفال في تشجيع الإبداع:

   يمكن لأدب الأطفال أن يدعم بقوة تربية الأطفال التربية الروحية الصحيحة، التي تدعم بدورها بناء شخصية الفرد السوي، الذي يتسم بالصفات التي تدعم الفكر والابتكار والإبداع، فهو الإنسان القارئ، المفكر المتأمل، العامل الجاد، الصابر المثابر، المدقق الذي يتقن عمله، الذي يطلب العلم طوال الحياة، والذي يعيد النظر في أفكاره وأعماله بهدف تقييمها وتطويرها، والذي يهتم بشؤون مجتمعه ومشكلاته، والذي تتسم تصرفاته بالموضوعية بعيدًا عن الأهواء الشخصية.

   ويمكن لأدب الأطفال أن يعدهم للحياة في عالم الغد، بمتغيراته وتكنولوجياته المتقدمة. وأدب الأطفال العام والخاص بألوانه المختلفة، يقدم هنا لخدمة الحياة في مناخ المستقبل: المادة المعرفية والمعلومات والمهارات والقيم، ما يعين الأطفال على التكيف مع المستقبل، والتحلي بالمرونة، والتفكير العلمي، والقدرات الابتكارية والإبداعية اللازمة لمواجهة المتغيرات الجديدة.

   كما يقوم أدب الأطفال بدور مهم في إثراء لغة الطفل، واللغة- كما رأينا- وثيقة الصلة بالتفكير. وتقوم القصص والمسرحيات والأغاني والأناشيد، وغيرها من ألوان الإنتاج الأدبي، بدعم القيم والصفات اللازمة لعمليات التفكير الإبداعي والابتكاري، مثل: دقة الملاحظة، والصبر والمثابرة، والتفكير الجاد المستمر، وتنمية الخيال، والتفكير الناقد …الخ. وألوان الإنتاج الأدبي المقدم للأطفال تصل إلى دعم هذه الصفات والقيم الإيجابية بوسائل شديدة الفعالية، مثل: التقليد والقدوة، الاستهواء (وهو تقبل آراء الآخرين ممن يعجب بهم الطفل ويقدرهم من غير نقد أو مناقشة)، والانطباعات، والاندماج ، والتعاطف الدرامي، والتقمص، وغيرها.

   ويقدم أدب الأطفال قصص العلماء والمخترعين، وأهل الإبداع، ليتخذ الأطفال من حياتهم وسيرهم وتصرفاتهم نماذج وأمثلة تحتذى. كما يقدم أدب الأطفال أنماطًا للتفكير المستهدف، ونماذج للتصرف السليم في مختلف المواقف، ومن خلال تصرفات الأبطال الذين يعجب بهم الطفل ويقدرهم، فيقلد تصرفاتهم ويتبنى أساليبهم من غير تردد، على أن يكون هذا مما يخدم أساليب التفكير العلمي، والتفكير الابتكاري والإبداعي.

دور الأدب التَّربويّ في تحفيز البحث العِلمِيّ(3)

إن هنالك خللاً كبيراً في طرق التلقي، فنحن نتعامل مع قشور الأشياء ولا نتجه إلى عمقها، ويبدو هذا جلياً في طرق تفكيرنا في حل المشكلات، حيث يمكننا أن نفكر في كل شيء حول المشكلة إلا الحل. لقد غفلت المناهج الدراسية أن تجعلنا نتلمس الحكمة أو أن نبحث عن زبدة الأشياء. وهذا الخمول الفكري الذي نعيشه إنما هو لغياب فلسفة واضحة للتلقي المعرفي.

لقد حدثونا عن تاريخ الاختراعات وأسماء المخترعين، لكن أحداً لم يذكر لنا أن بإمكاننا أن نكون ضمن القائمة الذهبية التي نُعطَى عليها الجوائز حين يتم اختبارنا بسؤال: من هو أول من فعل كذا؟.

لم يخبرونا عن آليات التفكير التي توصل إلى الاكتشاف أو الاختراع، وجعلونا نحفظ القصائد والقطع الإنشائية. وقرأنا روايات واختبرونا في مضمونها. ولكن لم يذكر لنا أحد كيف نكتب قصيدة أو رواية إن كان لنا ميل إلى ذلك.

إن خلاصة ما نريد الوصول إليه في هذا الصدد هو أن علينا جميعاً أن نربي الجيل القادم على التلقي الإيجابي، والتفاعل مع المنتجات الثقافية ومحاورتها، وأن نملِّكه آليات لصناعة المعرفة وابتكار أساليب جديدة خاصة، وفلسفة تعين على ربط الإبداع بحركة الواقع وبالمثاليات، فلسفة تجيب عن أسئلة التلقي والإبداع. وسيكون مستقبل الأدب العربي أفضل، حين يعرف المتلقي أنه عنصر مهم في عملية التثاقف، وحين يكون قادراً على تحويل الخلاصة المعرفية إلى أثر في الحياة فإنه يحصل على آليات فكرية يعرف عبرها كيفية التعاطي مع المستجدات.

المَراجع

 

(1)  مُقتبس عن مقال للأستاذ عادل خميس الزهراني (بِتَصَرُّف). دور الأدب في العملية التعليمية.. وفي سوق العمل! –

(2)  مُقتبس عن دراسة تربوية على موقع المنتدى الإسلامي العالمي للتربية. (بتصرُّف)

   http://montdatarbawy.com/show/1229

(3) مُقتبس عن مقال للكاتب معتصم الشّاعر، على صفحات جريدة القافلة.

https://qafilah.com/ar/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%A8%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AF%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A/

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: