رواد الثقافة والأدب

“المرشد التربوي في ضوء فكر ابن شمس الخلافة”-الباحث محاسب محمد خضر.

بحث تخرج  “دبلوم إعداد المرشد التربوي”

المقدمة

عرف مصطلح المرشد جدلَا واسعَا قبل أنْ يحطَّ وتستقّرَّ رحاله في رحاب التربيّة والتعليم وعلى وجه الخصوص في عمليّة التعاون التربوي التعليمي المدرسي البنّاء. وقد أصبح هذا المصطلح يُحيل الى الدعم النّفسي والمعنويّ والتربوي والتعليمي الذي يرومُه المرشد ويسمو اليه من خلال تقويم وجهة المنظومة المدرسيّة من البناء المدرسي وصولّا بها الى البيت العائلي التربوي التعليمي .

 لقد ورد في القرآن الكريم في سورة الكهف آيه 17 ” من يهدِ الله فهو المُهتدِ ومنْ يُضللْ فلنْ تَجِدَ لهُ وليَّا مُرشِدا”. من هنا تظهرُ قداسةِ هذه الرسالة السامية المُناطة بالمُرشِد والتي تُظهرُ مدى عظمة هذا الدور في تفعيلِ وهداية وتقويم الطريق الى الوصول الى برّ الامان فهو وسيلة الله في الهداية والتقويم وهل هناك وسيلة للهداية أسمى من النور الذي به يهتدي النّاس من غياهب الكهف وظلامه وتقوقعه الى رحاب نور المحبّة والعلم والهديّ والتسامح. إذا كان دور المرشد الاسمى هو تثقيف المجتمع بدأ من تقديم الرعاية والتربية للأطفال وتحفيز روح المحبّة والتعاون والاكتشاف وايجاد الحلول لديهم كان لزامًا لهذه الدراسة أنْ تُعرّجَ على أسمى المجتمعات تقدّمَا في الحقبة العربيّة ولا سيّما العصر العبّاسي للوقوف عندَ أحدِ مرشدي هذا العصر والذي عايش الارشاد من جانبيه كونه كان مُرشِدَا تربويّا في حضرة الملوك وكان واليّا وأميرَا لديه مجموعةَ من المرشدين التربويين يرشدونه تربويَّا وهو ابن شمس الخلافة وذلك كلّه من أجل الوقوف على أسباب تلك النجاحات التي أسهم بها المرشدون العرب عبر التاريخ  وإضافة المزيد لها ممَا توصل اليه علمُ الارشاد التربوي الحديث علَّ هذه الدراسة تفي بالمطلوب وتقدّم إضافةَ تربويّة في المجتمع التربوي اللبناني.

تعريف المرشد: المرشد لغةَ: ورد في معجم الوسيط : “رَشِدَ رُشْدَا : اهتدى فهو راشد، وأرشدَه: دلّه وهداه، المرشد الواعظ وهادي السفن في المضايق”[1].

أمَّا المُرشد اصطلاحَا:  فهو الدليل الى طريق الهدى، والواعظ بنصائحه، المقدِّم للحلول والحكمة.

أمَّا الإرشاد التربوي هو مساعدة الطالب على اكتشاف قدراته وإمكانياته الدراسية، ومعاونته في تصميم خطة دراسته واختياره المناسب، وتحقيقه لشروط متطلبات التخرج ومساعدته في التغلب على أية صعوبات قد تعترض مساره الدراسي، ومساعدته كذلك على التكيف مع بيئته الدراسية والاجتماعية والعلمية عن طريق إمداده بالمعلومات الكافية. والعمل تنمية تفكيره في محتولاته لايجاد حلول للمشكلاته.

أمّا المرشد التربوي:

 – هو شخص متخصص حاصل على الشهادة الجامعية الأولى في أحد فروع العلوم الإنسانية التالية: علم نفس ،إرشاد نفسي و توجيه تربوي ، خدمة اجتماعية.

– وهو متفرغ لتقديم الخدمات النفسية والتربوية والاجتماعية وخدمات البحث العلمي للطلبة، بحيث تتداخل هذه الخدمات وتتكامل لتلبي حاجات الطلبة الإرشادية وبدون المرشد من الصعب تحقيق خدمات البرنامج الإرشادي.

– وهو أيضاً شخص متميز بحيث يشكل الأمن والأمان للطالب.

_ وهو مدرب تدريبا مهنيا عاليا للتعامل مع المشكلات والاضطرابات السلوكية التي يعاني منها الطلبة ومحاولة ايجاد الحلول لها.

بالعودة الى مفهوم المرشد التربوي الاجتماعي في فكر ابن شمس الخلافة يتضح أنّ يتصل اتصالّا وثيقَا بمفهوم “الكاتب” وهو الشخص الذي يقدم المشورة والوعظ والارشاد التربوي والاجتماعي والمتطلع على كمِّ كبيرِ من العلوم والثقافة وعليه أن يتحلَى بأداب ذكرها في كتابه الاداب كي يتمكّنَ من القام بدوره بطريقة فعّالة ناجحة.

Top of Form

Bottom of Form

تعريف مصطلح أدب

عرفَ مصطلحُ الأدبِ جدلاً كبيرًا منذُ عصرِ الجاهليَةِ إلى يَومنا هذا، وتفاوتتْ الأراءُ حولَ تحديد مفهوم الأدب الذي بقيَ موضعَ دراسةٍ وبحثٍ لدى الباحثينَ المحدثين. ومنْ أبرزِ هذه المفاهيم  التي ظهرتْ عندَ العربِ القدامى، ما وردَ في معجمِ “لسانِ العربِلأبنِ منظورٍ[2] في مادةِ أدب بمعنى (دعوة)، أيْ دعْوة الناسِ إلى الخيرِ ونهيهمْ عنِ المنكرِ. حيثُ قالَ: ” الأَدَبُ: الذي يَتَأَدَّبُ به الأديبُ من الناس؛ سمِّي أدَبًا لأنّه يَأدِبُ النّاسَ إلى المَحامِد، ويَنْهاهمْ عنِ المقابِحِ”[3]. ومنه الدعوة إلى المَأْدُبَةِ، حيثُ قالَ ابنُ منظورٍ، أيضًا: ” وأصلُ الأَدْبِ الدُّعاء، ومنه قيلَ للصَّنيعِ يُدعى اليه النّاسُ: مَدْعاةٌ ومأْدُبَةٌ”[4]. وقدْ وردتْ كلمةُ أدبٍ، أيضًا، في معجمِ لسان العربِر أيضًا: صر الجاهليَة اإستمرار والجد والتعب الجد والتعب إلى أن يتمَّ إنجاز هذا الصنيع الأدبي وتقديمة على طبقٍ  بمعنى علّمَ ودرّسَ، حيثُ قالَ: “الأَدَبُ: أدَبُ النّفْسِ والدّرْسِ، وأَدَّبَهُ فتأدبَ، علّمَه. وهذا ما أَدّبَ الله تعالى به نبييّه”[5]. ووردتْ أدب، أيضًا، بمعنى إثارة العجبِ، حيثُ قالَ ابنُ منظورٍ: “الأَّدْبُ: العَجَبُ، جاءَ فلانٌ بأمرٍ أَدْبٍ، أي بأمرٍ عَجيبٍ”[6]. ليكونَ المعنى بذلكَ، نوعًا من كسرِ الرتابةِ وخلْقِ الدّهشة. وفي العصرِ الإسلاميّ اتسعَ مدلولُ هذه الكلمة ليشملَ التأديب الإيمانيّ والخلقيّ، وسُمّي المعلمونَ في العصرِ الامويّ بالمؤدبينَ. أمّا في العصر العباسي اتسع مدلول كلمة أدب فأطلقت على الأشعار وعلى الأخبار وعلى الأحاديث والوصايا، وأصبحت كلمة أدب تطلق في القرن الثالث هجري على التعليم الأدبي خاصة، وهي الشعر والنثر .

يتضحُ مما سبقَ أنَّ مفهومَ كلمةُ أدبٍ قدْ حَظيَ بأهتمامِ عدد ٍكبيرٍ منَ الباحثينَ العرب على مرِّ العصورِ  وأكتسبتْ مفاهيمَ عدّةً، ومن بينهم إبن شمسِ الخلافة ( 543ه – 622ه)، وهو أبو الفضل جعفر بن شمْس الخلافةِ أبى عبد الله محمد بن شمس الخلافةِ مختار الأفضَلى الملَقب مجد الملك الشّاعر المشهور. كان ذكيًّا أديبًا بارعًا فاضلًا حسنَ الخط وله تواليف جمعَ فيها اشياءً كثيرةً دلّتْ على حسنِ اختياره، وقدْ امتدحَ الكبارَ وروى عنه القوصيّ والمنذريّ في معجميهما”[7]،وهما ديوان شعرٍ وكتاب الآدابِ. أمّا “كتابُ الآدابِ” هو كتابٌ قيّم فيه جمعَ المؤلفُ خيرةَ الحكمِ والأمثالِ والأشعارِ والأخبارِ والصفاتِ الخلقيّةِ والنفسيّةِ التي يجبُ أنْ يتحلّى بها الانسانُ في مقاماتٍ مختلفةٍ . يتألفُ الكتابُ من خمسةِ أبوابٍ، البابُ الأولُ تناولَ فيه المؤلفُ بابَ الحكمةِ منَ النثرِ، وقدْ وردَ في 18 فصلًا تحدثَ فيها عنِ الملوكِ، وذكرِ أحوالهمْ وصحبتِهم، وذكرَ فيها  أيضًا ذمَّ الحسدِ والغيبةِ والكبرِ. وقدْ مدحَ التواضعَ وفضلَ الاخوانِ واكتسابِ الأدابِ والإستشارةَ. أمّا البابُ الثاني، بابُ الفصولِ القصارِ منَ البلاغةِ والحكمةِ، لقدْ وردَ في 13 فصلًا تناولَ فيها الألفاظَ وأمثالَ العربِ وأخبارهمْ. أمّا البابُ الثالث، بابُ الحكمةِ منَ الشعرِ فقدْ وردَ في 12 فصلًا تناولَ فيها الصبرَ والقناعةَ واكتسابَ الأخوانِ ومدحهم وذمهم  ومدح الجود  وذمّ الغلوّ في المزاحِ. أمّا البابَ الرّابعِ، فقدْ وردَتْ فيه أبياتُ الأمثالِ المفردةِ. وأمّا البابُ الخامسِ، بابُ إعجاز الأبياتِ فقدْ تناولَ فيه فصلَ المزدوج من الأبياتِ. سيتمُّ الإفادة منْ جميعِ الفصولِ في تحديدِ مفهوم الأدبِ لدى ابن شمس الخلافة. وتجدرُ الإشارة إلى أنَّ الدافعَ وراء اختيارِ هذا الكتاب موضوعًا للدراسةِ، هو لإمكانيّة اشتمالهِ على معطياتٍ قيّمةٍ تغني مفهومَ الأدبِ بشكلِ عامِ، ذلك كون المؤلف لديه تجارب متعددة، فهو شاعر وكاتب وأمير وفارس. وقد يمكّنهُ ذلكَ النظر إلى مفهومِ الأدبِ من زوايا مختلفةِ. أمّا الاشكاليّةُ التي وضعتْ لدراسةِ مفاهيمَ الأدبِ في كتابَ الآدابَ، ستنتجُ عددًا من الأسئلةِ منها: هلْ ظهرتْ لدى ابن شمس الخلافةِ مفاهيمٌ جديدةٌ لكلمةِ أدب؟ هل جاءتْ مدلولات كلمة أدب لدى ابن شمس الخلافة مطابقة لمفاهيمها القديمة أم أضاف عليها مفاهيم  خاصّة؟. أمّا  الفرضيةُ تنبثقُ عن السؤالِ السابق ذكره وستشكّلُ إجابة أولية عنه ، وهذه الفرضية تقولُ أنّه بالرغمِ من وجودِ توافق بينَ مفاهيم كلمة أدبٍ لدى ابن شمسِ الخلافةِ مع المفاهيم المعتمدةِ في زمانِه، إلا أنّ هذه الدراسة منَ المفترضِ أنْ تصلَ إلى نتاجٍ حاصله أنّ هناك إضافة جديدة على مفهومِ كلمة أدبٍ من خلالِ نِتاج المؤلف في كتابه الآداب. أمّا فيما خصّ المنهج، فكلُّ دراسةٍ تحتاج إلى منهجٍ علميٍّ يضبطُ ويضمنُ سلامةَ خطواتِ البحثِ، وطبيعة هذه الدراسة تحتاج إلى الاستعانة بالمنهج الوصفيّ. الذي يُعرَّفُ بأنَّه دراسة الظّاهرة، ووصفها وصفًا دقيقًا، وجمع المعلوماتِ للتّعبير عنها كمّيًّا وكيفيًّا، تمهيدًا لفهمِها وتشخيصِها، وتحليلِها، وتحديدِ العلاقات بينَ عناصرِها أو بينِها وبينَ ظواهر أخرى، وصولًا إلى إمكانيّة كشف دلالاتها الخفيّة. لهذا فإنّ منْ أهمّ أدواتِ المنهج الوصفيّ الاستقراءَ والتّحليلَ والاستنتاجَ والملاحظةَ والتّفسيرَ والمقارنةَ والتّقييمَ، ولذلك سيكونُ العمل على توظيفِ خطوات المنهج الوصفي وأدواته، ملاحظة وجمع المعلومات بطريقةٍ موضوعيّةٍ ودقيقةٍ، ثمّ تحديدُ النّتائجَ الّتي تمّ التّوصّل إليها وتصنيفُها وتحليلُها وتفسيرُها لتكونَ نتائج دقيقة وسليمة. وأمّا نقدُ المصادر والمراجع فقد أعتُمدَ “كتاب آداب الملوك لأبي منصور الثعاليبي، حققه عبد الحميد حمدان، الطبعة الأولى، عالم الكتب، 1428/2007. وهو كتاب قيّمٌ لإحتوائِه أمور السياسة التي هي آلة السلطان واداته، وبها نظام الملك، وعليها مداره. يتألفُ الكتابُ منْ عشرةِ فصولٍ تناولتْ الإفصاحَ عنْ علوّ شأن الملوكِ، والأمثالَ والتشبيهات الملوكيّة، ونكت أبواب الملوك، ومواعيظَ الحكماءِ، وأخلاقَ الملوكِ وعاداتهم، واختيارَ الملوك للوزراء والعمّال، وآفات الملوك، وأعداءَ الملوكِ، ومدحَ الملوك وآدابَ أصحابهم. سيتمُّ الإفادة منَ الكتابِ خلال الحديثِ عن آدابِ الملوك وأصحابهم. وكذلكَ أعتُمدَ كتابُ أدب الكاتب، لابن قتيبة،  تحقيق علي فاعور، ط1، بيروت، دار الكتب العلميّة، 1408/1988 في الدراسةِ. وهو كتابٌ مقسمٌ إلى مقدمةِ وأربعةِ أقسامٍ ممثلة في المعرفةِ، وتقويمِ اليدِـ، وتقويمِ اللسانِ، ومعاني أبنيةِ الأفعالِ. سيتمُ الإفادة من المقدمةِ في الدراسةِ. وكذلك، اعتُمدَ كتابُ لسان العربِ لابن منظور، بيروت، دار صادر، لا تاريخ. وهو معجمٌ لغويٌّ يضمُّ نحو ثمانينَ ألفَ مادةٍ ويقسّمُ الكتاب إلى مقدمةٍ ومعجمٍ، سيتمُّ الإفادة من الجزءِ الأولِ “مادة أدب” في تعريفِ كلمة أدب. ستُقسمُ الدراسة الى خمسةِ أقسامٍ، ستتناولُ الآدابَ في مقاماتٍ مختلفةٍ بدءًا من أعلى طبقاتِ المجتمع وصولًا الى عامّةِ الناسِ. فكان لزومًا تقديم القسم الأول “آداب الملوك”، ثمَّ  يليه القسم الثاني “آداب من هم في صحبة الملوك”، ثمَّ يليه القسم الثالث “آداب الإخوان”، ثمّ يليه القسم الرابع “آداب المثقفين”، ثمَّ يليه القسم الأخير “آداب الأخلاق”. وقد خُتمتْ الدراسة بآدابِ الأخلاقِ كونها الأشمل وكون الأقسام الأربعة السابقة تحتاج إلى مبدأ الأخلاق في تقويمها.

دراسة مفاهيم الآداب

إنَّ دراسةَ مفاهيم الأدبِ في كتابِ الآدابِ لابن شمس الخلافةِ تتطلبُ بحثًا طويلًا  لما يحتويه منْ معلوماتٍ قيّمةٍ، ولكنْ لضيقِ المساحةِ، سيتمُّ دراسة المفاهيم الأكثرَ بروزًا وشيوعًا، منها آدابُ الملوكِ والسلاطين، وآدابُ منْ يصحبَهم، وآدابُ الاخوانِ، وآدابُ الثقافةِ والمعرفةِ، وآدابُ الأخلاقِ.

أولًا : ادآبُ الملوكِ والسلاطين

لقد تبيّنَ منْ خلال ملاحظةِ  مفاهيمَ الآدابِ في كتابِ الآدابِ لابن شمس الخلافة أنَّه يتضمنُ الكثيرَ من الخلائقِ الخصالِ التي يجبُ أنْ يتمتعَ بها الملوكِ وأخرى الواجبُ اجتنابُها لتنظيمِ دولتهم منها خصال يجبُ اعتِمادها وأخرى يجبُ اجتنابها.

أ – ما يجب اعتماده

إنَّ الخلائقَ التي يجبُ أنْ يتحلَّى الملوكُ  بها، قدْ ظهرتْ بشكلٍ ملحوظٍ في كتابِ ابن شمس الخلافة، حيثُ شبّهَهم بالنّهرِ الاعظمِ، مستشهدًا بمقولة أفلاطون بأنَّ ” الملكَ كالنهرِ الأعظمِ، تُستمدُّ منه الأنهارُ الصغارُ، فإنْ كان عذبًا عذُبتْ وإنْ كان مَلحًا مَلُحتْ”[8]. وقدْ تبيّنَ أنَّ المؤلفَ يرى المرونةَ والحنكةَ وحسنَ سياسةِ الرعيّةِ منَ الخلائقِ البالغةِ الأهميةِ والتي يجبُ أنْ تتوفرَ فيهم، مستدلًا بذلكَ بحديثِ عمر بن الخطاب، حيث قالَ: “لا يصلح لهذا الأمرِ إلا اللين في غيرِ ضعفٍ، القوي من غير عنفٍ”[9]. واستشهدَ أيضًا بمقولةِ معاويةَ حيثُ قالَ: “ولو أنَّ بيني وبينَ الناسِ شعرةً ما انقطعتْ ابدًا. قيلَ لهُ وكيفَ ذاك؟ قال: كنتُ إذا جبذوها أرخيتُها، وإذا أرخوها جذبتُها”[10]. من الملاحظِ أنَّ القوةَ والجودَ والغنى والعدلَ من الخصالِ الواردةِ في كتاب الآداب والواجبُ أنْ يتحلّى بها الملوكُ وظهرَ ذلكَ بمقولةِ عبد الملكِ بن مروانَ حيثُ قالَ: “لبنيه لا يصلحُ لهذا الأمرِ منكم، إلا منْ كانَ له سيفٌ مسلولٌ، ومالٌ، مبذولٌ، وعدلٌ تطمئنُّ اليه القلوبُ. وزادَ أيضًّا “ينبغي للملك أنْ لا يطلبَ المحبّةَ من أصحابهِ إلا بعد تمكن هيبته من نفوسِهم، فإنّه يجدُها بأيسرِ مؤنةٍ، فأمَّا إنْ طلبَها قبلَ أنْ يستشعروا هيبتَه لم يجتمعوا عليه، ولم يضبطْهم بها. وقالَ ابن العاص لا عمارة الا بالعدل”[11]. يتّضحُ من ذلكَ أنَّ للملوكِ خصالًا تتراوحُ بين الشدّةِ واللينِ، والقوّةِ والمرونةِ، والمهابةِ والمحاباةِ، وثابتٌ بين ذلك الكرمُ والعطاءٌ والعدلُ. وهي خصالٌ محورُها الحنكةُ السياسيّة.

ب – ما يجب اجتنابه

 بعدَ مُلاحظةِ كتابِ الآدابِ لابنِ شمس الخلافةِ، تبينَ ورودُ نماذجَ شائعة بكثرةٍ تناولتْ الخصالَ الواجبُ على السلطانِ اجتنابها . من هذه النماذج،  أنَّه “لا ينبغي للملكِ أنْ يكونَ كذّابًا ولا بخيلًا ولا حسودًا، ولا جبانًا، فإنّه إن كانَ كذابًا ثمَّ وعدَ لم يرجَ، أو أوعدَ شرًا لم يخشَ، وإنْ كان بخيلًا لم يناصحْهُ أحد، ولا يصلحُ الملك إلا بالمناصحة. وإنْ كانَ حسودًا لم يشرّف أحدًا  ولا يُصلحُ الناس إلا بأشرافِهم. وإنْ كانَ جبانًا اجترأ عليه عدوُّه، وضاعتْ ثغورُه”، وقال ابن المقفع ليس للملك أنْ يغضب”[12]. وأكثر ما يضرُ الملوكَ، حسبَما أوردَ ابنُ شمس الخلافة ، استخبار من لا يُصدّقُ إن خبَّر واسنصاح من هو ليس أهلًا لذلك. يُستنتجُ مما سبق أنَّ آداب الملوك إنْ حمدتْ تُحمد الرعيّة وإن ساءتْ تسوء الرعيّة وإنَّ حقلَ آدابِ الملوكِ قد وردَ بشكلٍ شائعٍ في الكتابِ موضوع الدراسة، وذلك لمعرفةِ المؤلفِ السابقةِ بالملوكِ وقربِه منهم ومعرفتِه بمدى أهميّةِ استقامةِ هذه الخصال وخطورةِ اعوجاجها فمنحَ المؤلفُ بذلك دلالةً مضافةً لمفهومِ الآدابِ حمَلتْ حمولَتها خصائصٌ وخصالٌ محمودةٌ يجبُ على الملوكِ اعتمادها كما ذُكِر أعلاهُ وأخرى مذمومةٌ كالجُبْنِ والغضبِ والكذبِ والبخلِ والحسدِ. وظهر أنَّ مفهوم العدل أهمُ خصال الملكِ لأنَّه “عند كافةِ أهلِ المللِ وأصحابِ الدولِ قوامُ الدينِ وعمدةُ الملكِ وأسُ السياسةِ”[13]، وقد أغنَتْ تجربة المؤلف بالحكم من موقع الامارة تارةً وقربه من الملوك تارةً أخرى مفهومَ آدابِ الملوكِ في كتابِه.

ثانيًا:  أدبُ منْ يصحب السلطان

أ – ما يجبُ اعتماده 

لقدْ تبينَ من خلالِ تقصّي النماذجَ الواردةَ في كتابِ الآدابِ لابنِ شمس الخلافة أنَّ معجمَ الخصال المحمودَة والمذمومَة لمنْ هم في صحبِة الملوكِ، قدْ وردتْ بوفرةٍ . من هذهِ الخصالِ أنْ يكونَ أميناً، حذرًا ، عالمًا، متقبّلًا لسخطهم، خائفًا منهم، مستشهدًا بذلك ما وردَ في قول خالد بن صفوان حيث قالَ: “لا تكنْ صحبتُك للملوكِ إلا إذا كنتَ حافظًا لما ولّوكَ، أمينًا لما ائتمنوكَ، حذرًا إذا قربوكَ، ذليلًا إذا صرموكَ، راضيًا إذا اسخطوكَ، تعلّمُهم وكأنَّكَ تتعلمُ منهم، وتؤدبُهم وكأنَّك تتأدبُ منهم، وإلا البعدُ منهم كلّ البعدِ والحذرُ منهم كلّ الحذر”[14]وأكدَ ذلك ما وردَ في سؤالِ “معاوية للأحنفِ بن قيس عن ابنِهِ يزيد فقالَ: أخافُك إنْ صدقتُ، وأخاف الله إنْ كذبتُ”[15]. هذا يدل أنَّ مفهومَ آدابُ صحبةِ الملوكِ يشوبُها الحذرُ والخطورةُ، إضافة لما تحملُه من إفادة معنويةٍ وسلطويّةٍ. لذا توجبَ على من كان بصحبتهم أنْ يتحلّى بآداب وخصال تعينهم في خدمتهم.

ب – ما يجب اجتنابه

أمَا الخصالٌ الواجبُ على صاحبِ السلطانِ أنْ يحذرَها فقد وردتْ بكثرة في كتاب الآداب، حيث لوحظَ أنَّ المؤلفَ حذَّر مررًا منها. من نماذجِها مقولة أحدهم: “لا تثقنَّ بالملكِ فإنّه ملولٌ”[16]. ودعا إلى اجتنابِ مخاطر تلك الصحبةِ بعدمِ إفشاءِ أسرارِهم، وتجنبِ الكذبِ، والغيبةِ، وأشارَ إلى ذلك حيثُ أوْردَ مقولةَ آخر حيثُ قال: “وإنِّي أوصيكَ بخلالٍ أربع، لا تفشين له سرًا، ولا تجرين عليك كذبًا، ولا تطوين عليه نصيحة، ولا تغتابن عنده أحد “[17]. وهذا يدلُّ أنَّ صاحبَ السلطان عليه أنْ يؤدبَ نفسهُ قبلَ لسانهِ، ويُهذبَ أخلاقهُ قبل أنْ يُهذِبَ ألفاظهٌ[18]، وأن ينزهه نفسه عن الكذبِ وإفشاءِ السرِّ لما في ذلك من خطورة، والإمتناع ِ عن الغيبةِ التي تجعلُه في مكانة غير محبَّبة لدى السلطان.

يُستنتجُ  من خصالِ منْ هم في صُحبةِ السلطانِ أنَّ مفهوم كلمة أدب قد حُمِّل دلالاتٍ أخرى وهي الخوف والحذر والخطورة  “لأنَّ من صحِبَ السلطان بالنصيحةِ والأمانة، كانَ أكثرُ عدوًا  ممنْ صحبَه بالغشِّ والخيانةِ، لأنَّه يجتمعُ على الناصحِ عدوّ السلطان، وصديقه بالعداوةِ والحسدِ، فعدوّ السلطان يُبغضُه لنصيحتهِ، وصديقهُ ينافسُه مرتبتهُ”[19]. وهي آدابٌ تُلبسُ صاحبها لباسًا يتناسبُ مع المقامِ الذي هو متواجدٌ فيه تبَعًا لأحوالِ الملكِ ومزاجِه كما وردَ في حديث الفضلُ ابن ربيع حيثُ قال:” من كلّم الملوك في حاجة في غيرِ وقتها، جَهُلَ مقامه وضاعَ كلامهُ، وما أشبه ذلكَ إلا بأوقات الصلاة التي لا تقبل إلا فيه”[20]. وهذه المفهوم قدْ اختبرهُ المؤلّفُ في صحبةِ السلاطين.

 ثالثًا : آداب الإخوان

  • ما يجب اعتمادة

تبيَن، بعد تقصّي ظاهرة آدابِ الإخوانِ في كتابِ ابنِ شمس الخلافةِ، أنّها أخذتْ حيِّزًا كبيرًا في كتابِهِ، حيث شاعتْ في الكثيرِ من الأخبارِ والأقوالِ الواردةِ في الكتابِ والتي دعتْ في مجملِها إلى إبرازِ أهميّة الإخوان، كما ظهرَ ذلك في حديثَ الرسولِ الكريمِ، حيثُ قالَ: “المرء كثير بأخيه”[21]، وقد دعا المؤلفُ إلى المحافظةِ على هذهِ العلاقةِ، حيثُ”قال آخر: أعجزُ النّاس من قصّرَ في طلبِ الاخوانِ. وأعجزُ منه من ضيّعَ منْ ظفرَ به منهم”[22]، ودعا أيضًا، إلى الإكثارِ منها كما ورد في قول أحدهم: ” لا تستقِلْنَ عدوًّا واحدًا ولا تستكثرنَ ألف صديق”[23]، وقد ذكرَ المؤلفُ آدابَها المحمودة والمذمومة منها،  كالوفاءِ والتواضعِ والصدقِ وتجنبِ الغيبةِ والغشِ والكذبِ والخداعِ. ذلك، كون الصديق مرآة الشخصِ، كما ورد في حديث الرسول الكريم، حيث قال:” الصاحبُ رقعة في قميصِكَ فانظر بمن ترقعُهُ”[24]، وهذه الآداب كما قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: “حلي في الغني، كنز عندَ الحاجةِ، عون على المروءةِ، صاحب في المجالسِ، أنيس في الوحدةِ، تعمر به القلوب الواهيّة، وتحيى به الألباب الميتة، وتنفذٌ به الأبصار الكليلة، ويدرك به الطالبون ما حاولوا[25]. نستنتجُ منْ ذلكَ أنَّ مفهومَ كلمةُ أدبٍ قد حملتْ مدلولًا خاصًا يدورُ في فلكِ الصداقةِ بما فيها من خصالٍ محمودةٍ، هي بمثابة الجواهر التي يتزيّن بها المرء لما تعكسُه من جمالِ الخلقِ والنّفسِ، من بينها ؛الوفاء ُوالتواضعُ والصدقُ والمروءةُ والمحبّة.

ب-  ما يجب اجتنابه

لقد لوحِظَ في كتابِ ابنِ شمس الخلافة تعددُ الأمثالِ والأقوالِ الداعيةِ إلى اجتنابِ خصالٍ غير مقبولةٍ في آدابِ الأخونِ منها، ما قالَهُ أحدُهم؛ “احذروا الصديقَ الجاهلَ أكثرَ من حذركِم العدوّ العاقل، فليسَ منْ أساءَ وهو يعلمُ أنَّه مسيءٌ، كمنْ أساءَ وهو يظنُ أنَّه محسنٌ”[26]. وكذلكَ حذّرَ من الصداقةِ التي لا عتابَ في تخلّفها، حيثُ “قالَ الشاعرُ:

اذا تخلَّفتَ عن صديقٍ                        ولم يعاتبُك في التخلّف

فلا تعُدْ بعدها اليه                                      فإنَّما وُدّه تكلّف”[27]

تُظهر النماذجُ الواردةُ أعلاه، أنَّ آدابَ الإخوانِ مبنيّةٌ على خصالٍ محمودةٍ كما ظهرَ أعلاه، ومنها ما هو مذمومٌ ظهرتْ في كتابِ الآدابِ . وهذة الخصالُ مٌستمَدة بمعظمها من أصولِ الدينِ ومنْ عاداتِ العربِ المتجلّيةِ بنبذِ الجهلِ والكذبِ، فمنْ أساءَ هذه الآداب أساءَ نفسَه، ومنْ صوّبَها فقدْ صوّبَ نفسَه. ذلك، لأنَّ الصديقَ هو مرآة النفس إنْ صلحَ صلُحتْ النّفسُ وإنْ ساءَ ساءتْ. نستنتج من ذلك كلّه أنَّ مفهومَ الآدابِ قد حملَ مدلولًا مضافًا ظهرَ في آدابِ الإخوان في مقاماتٍ مذمومةٍ ، من هذه الخصال  الكذب والجهل.

رابعًا: أدب الثقافة والمعرفة

  • ما يحبُ اعتماده

منَ الملاحظِ أنَّ كلمةَ أدبٍ ارتبطتْ بالثقافةِ ارتباطًا وثيقًا في كتابِ الآدابِ لابنِ شمس الخلافةِ، وظهرَ ذلكَ مرارًا وتكرارًا بشكلٍ شائعٍ، ومن هذه النماذجَ ما وردَ في قولِ أحدهم: “الآداب عشرة…وأما العربيّةُ ؛ فالشعرُ، والنسبُ، وأيامُ العربِ. وأمّا الواحدة التي أبرتْ عليهنّ، فمقتطعاتُ الحديثِ والسيرِ وما يتذاكرُه الناسُ بينَهم في المجالسِ”[28]. وقالَ أرسطوطاليس: للطالبِ البالغِ لذةٌ الإدراكِ، وللطالبِ المحرومِ راحةَ اليأس[29]. ومنها أيضًا ما قاله آخر: “أطلبْ في الدنيا العلم والمال تجزَ الرياسةَ على الناس”.[30] ومنها ما قاله عبد الملك بن مروان: “خلّتانِ لا تَدَعوهما إنْ قدرْتم عليهما، تعلمُ العربيّة، ولباثُ الثيابِ الفاخرةِ، فإنّها الزينةُ والمروءةُ الظاهرةُ”.[31] ومنها ما قاله آخر: “لا يكونُ الانسانُ عالمًا حتّى تجتمعَ فيه خمس أشياء غريزة محتملة للتعلّم، وعناية تامّة، واسنباط لطيف، ومعلمٌ ناصح”[32] .

تظهرُ النماذجُ الواردةُ أعلاه أنّ للثقافةِ والمعرفةِ آدابًا لا بدَّ أنْ يتحلّى بها المرء كمعرفته بالعربيّةِ، والنسبِ والشعرِ والسيَر وأنْ يكونَ لديه غريزةً محتملةً للتعلّمِ واسنباطًا لطيفًا ومعلمًا ينصحُه، وهذه الخصالُ تمنحُه لذَة الإدراكِ والراحةَ والزينةَ والمروءةَ الظاهرةَ. وهي خصالٌ لا بدَّ منها في طلب الرياسة. نستنتجُ من ذلك  كلّه أنَّ مفهومَ كلمة أدبٍ قدْ حَملتْ مدلولًا مُضافًا، ظهرَ ذلك في آدابِ الثقافةِ والمعرفةِ، وهو معرفةُ العربيّةِ بشعرِها، ونسبِها، وسيرِها، والقدرةِ على الأدراكِ والإسنباطِ وتقبُّلِ النصح، والتي تحملُ جميعُها لذةَ الإدراكِ والراحةَ والزينةَ والقيادةَ.

ب- ما يجب اجتنابه

قد  ظهرَتْ أيضًا في نتاجِ ابن شمس الخلافة خصالٌ يجبُ اجتنابَها  في إكتسابِ آدابِ الثقافةِ والمعرفةِ؛ منها، ما قاله ابن المقفع: “اذا حاججتَ فلا تغضبْ فإنَّ الغضب يقطعُ عنك الحجّة”[33]، ومنها أيضًا ما قاله آخر: “مثل الذي يُعلّمُ الناسَ الخير ولا يَعملٌ به ، كمثلِ أعمى بيدهِ سراج يُستضيءُ به غيرهُ وهو لا يراه”[34]، ومنها قول الرسولِ الكريمِ:”ستة لا تفارقُهم الكآبةُ، … وجليسُ أهلِ الأدبِ وليسَ منهم”[35]، ومنها ما قاله آخر: “أربعةُ أشياءٍ تسرع إلى العقلِ بالفسادِ، الكفايةُ التامّةِ، والتعظيمُ الدائمِ واهمالُ الفكرِ والأنفةُ من التعلم”[36]. وما قاله علي بن أبي طالب “لا يستحِ أحدُكم أذا سُئلَ عما لا يعلم أنْ يقول لا أعلم”[37]. إنَّ “شدَّةَ الغضبِ تغيّرُ المنطقَ وتقطعُ مادةَ الحجّةِ وتفرّقُ الفهمَ”[38] والغضبُ ألدُّ الخصوم للإنسانِ، وهو من الخصالِ المذمومةِ التي يجبُ على المرءِ أنْ يتجنّبَها، وعلى المثقفِ أنْ يعملَ بما أوتي من علمٍ وفهمٍ ليكونَ قدوةً لمن يهتدي بهداه. وعليه أنْ لا يكتفي بالتنظيرِ والمبالغةِ بالتعظيمِ، فهي غيرُ مستحبةٍ وتجعلُ المتأدبَ متملِقًا، وخاصةً إذا ما أعتَبرَ أنَّ لديه الكفايةَ التامّةَ من الثقافةِ، الأمر الذي يوقعه بالغرورِ. وعليه أيضًا، أنْ لا يُهملَ فكرُه في أمورِ العلمِ والحياةِ وأنْ لا يأنفَ منَ العلمِ، لأنَّ حبَّ البحثِ والإطلاعِ مدعاةُ النجاحِ. وعليه أنْ يتواضعَ ولا يخجل من عدمِ درايتِه بأيِّ أمرٍ وأنْ لا يتكلّم بما لا يعنيه كي لا يكون كئيبًا في مجالسِ أهلِ العلمِ والثقافةِ. نستنتجُ مما تقدّم، أنَّ مفهومَ كلمةِ أدبٍ قد اكتسى دلالةً ثقافيّةً معرفيّةً تُلزمُ منْ يكتسيُها اعتماد خصال محمودة وأخرى مذمومة كالتنظيرِ والمبالغةِ والتملّقِ والغرورِ والغضبِ والتأنفِ .

خامسًا: آداب الأخلاق

أ – ما يجب اعتماده

بعدَ تقصّي ظاهرة أدب الأخلاقِ في كتابِ الآدابِ لابنِ شمس الخلافةِ، تبيّن أنَّها كثيرةُ الورودِ في أبوابِ وفصولِ الكتابِ، من نماذجِها قولُ أفلاطون؛ ” إذا اغضبَك صديقٌ لكَ فقدْ اجزاكَ في مضمارٍ يعرفُ منكَ فيه حسنَ العهدِ وجميلَ الوفاء”[39]،  وقول أحدهم: “أربعةٌ لا ينبغي لأحدٍ أنْ يأنفَ منهنَّ وإنْ كان شريفًا: قيامُهُ لأبيه، وخدمتُهُ لضيفِهِ، وقيامهُ على فرسِهِ، واكرامٌهُ لأهل العلم”[40] ومنه أيضًا ما قاله بزرجمهر: منْ كثرَ أدبه شرف، وإنْ كان وضيعًا. وسادَ وإنْ كان غريبًا، وبعُدَ صيته وإنْ كان خاملًا، وكثرتْ الحوائج اليه، وإن كان مقترًا[41] ومن ذلك، ما قاله عبدُ الله بن المعتزِ: لنْ تعدم منَ الأديب كرمًا منْ طبعِه، أو تكرمًّا من أدبِه[42]. ومنه قول آخر: الأدبُ يبلغُ بصاحبَه الشرف، وإنْ كان دنيًّا، والعز، وإن كان قميًّا، والقرب وإنْ كان قصيًّا، والمهابة وإنْ كان رويًّا، والغنى وإنْ كان فقيرًا، والنبل وإنْ كان حقيرًا، والكرامة وإن كان سفيهًا، والمحبّة وإنْ كان كريهًا[43]. ومنه أيضًا قول الشاعر:    “وليسَ الحسنُ في وجهِ الفتى شرفًا له     إذا لم يكمنْ في فعلِه والخلائق[44]

ومنهُ أيضًا:             “كم من نقي الثوب ذي عرض دنس              وربَّ ذي أدبٍ تلقاه في سمل”[45]

لقد دلّتْ النماذج الواردة أعلاه أنَّ الخضالَ الأخلاقيّةَ الحميدةَ الواجبُ اعتمادها ذات قيمة وأهميّة بالغة، لأنَّها آدابٌ تشملُ جميعَ أطيافِ المجتمعِ من صغيره لكبيره ، فيها يزداد الشرف الذي يلجُ إلى فعل الفتى دونَ حسنهِ  وفيها يكمنُ الوفاء الذي بجميلِه يزولُ الغضب وتنبتُ المروءةُ فيها عند قيامه على الفرسِ، وفيها يثبتُ الصدقُ ويصدحُ الإخلاصُ ويزهو التواضعُ ويُجحَفُ التكبر وحبّ التظاهر. نستنتجُ من ذلكَ أنَّ آدابَ الأخلاقَ ذاتُ أهميّةٍ بالغةٍ في تحديدِ مفهومِ كلمةِ أدب، لأنها متداخلةٌ مع بقيّتْ المفاهيمِ؛ آدابُ الملوكِ والأخوانِ والثقافةِ والمعرفةِ. ويبدو ذلك لأهميّة الأخلاق في بناء النفس والمجتمع والأوطان والأمم، فإن صلحتْ الأخلاق صلحتْ جميعها وان ساءتْ ساءتْ جميعها وهو مفهومٌ يدورُ في فلكِ الصدقِ والوفاءِ والتواضعِ والتسامحِ.

ب – وما يجب اجتنابه

لقدْ لوحظَ في كتابِ الآدابِ ورودُ خصالٍ غير محمودةٍ يجبُ اجتنابَها. منْ هذه النماذجَ، قولُ أحدهم: “من استطاعَ أنْ يمنعَ نفسُه عن أربعة، فهو خليقُ: العجلةِ، واللجاجِ، والتواني، والعجبِ[46]. ومنها قول الرسول الكريم: “وأسوء الناس حالًا من لا يثق بأحد لسوء ظنّه، ولا يثق به أحد لسوء فعله”[47]. ومنها قول أحدهم” الحاسد يُظهر ودّهُ في اللقاء، وبغضه في المغيب، واسمهُ صديق ومعناه عدو”[48]. ومنها قول اللهِ تعالى( ولا يغتبْ بعضُكم بعضًا)[49]. ومنها أيضًا قول الله تعالى : الكبرياءُ ردائي فمنْ نازعني واحدًا منها، قصمته وأهنته”[50]. ومنها قول الشاعر:

“المرءُ لا يرتجى له النجاحِ يومًا               اذا كانَ خصمُه القاضي”[51]

تظهرُ النماذجُ الواردةُ أعلاه، أنَّ الخصالَ الواجبُ اجتنابها، وهي؛ سوءُ الظنِ بالناسِ الذي يجعلُ الثقةَ بالنفسِ وبالآخرين مضطربةً، والغيبةُ التي تشغلُ الخلافَ والنزاعَ بين الناسِ ، والحسدُ الذي يقتلُ صاحبَه ويزرعُ العداوى اتجاه النفس والآخر، والتكبرُ الذي يسببُ التباعدَ والقطيعةَ بينَ البشرَ الناهي عنه الله تعالى. نستنتجُ من ذلك أنَّ الخصالَ غير المحمودة منحتْ مفهومَ كلمةِ أدبِ دلالةِ مضافةِ، تحتِّمُ على المتأدبِ ضرورةَ اجتنابِها، وهي دلالةٌ مرتبطةٌ بعلاقةِ النفسِ الواحدةِ مع الآخرين. قدْ حُمِّلتْ مدلولُ تهذيبِ النفسِ منَ الخصالِ غير المستحبّة، مثل: الحسد، الغيبة، وسوء الظّن والكبر والتحلّي “بآداب النّفس من العفاف  والحلم والصبر والتواضع للحق”[52]، تلبية لتهذيب النفس وتقويمها.

صفات المرشد التربوي:

الاخلاق الحميدة من السمات التي لا يمكن للمرشد أنْ يتخلّى عنها والتحلِّي بالاداب العامّة لما فيها حسن التواصل الاجتماعي مع من هم في مركز الادارة ومن هم في مركز الزمالة والصداقة  ومن هم في مقعد الدراسة  وعليه أنْ يعيْ أنَّه مهما بلغ به المقام سيقى تلميذَا على مقاعد الحياة  وبحاجة دائمة الى مواكبة التطور وإعادة التحديث التربوي المهني. ويتوقف نجاح عملية الإرشاد أو فشلها على عدة عوامل أهمها سمات المرشد الشخصية فهو الذي ييسر الأمر أو يعقده، ويترتب على ذلك ضرورة اتصاف المرشد بالصفات التالية :

1- المظهر العام اللائق و البشاشة.
2- الذكاء العام وسرعة البديهة والتفكير المنطقي والحكمة .
3- سعة الاطلاع والثقافة العامة والرغبة في النمو العلمي والمهني.
4- تنوع الخبرات والقدرة على قراءة وفهم وتفسير ما بين السطور بحرص دون إسقاط.
5- القدرة على فهم الآخرين من واقع إطارهم المرجعي.
6- الذكاء الاجتماعي و التحرر من التعصب الاجتماعي والسياسي.
7- الاهتمام بالآخرين وحب مساعدتهم و احترامهم.
8- حسن الإصغاء و القدرة على الاتصال والتواصل.
9- النضج الانفعالي و التعاطف في إطار مهني فني.
10- الصبر والمثابرة والأمل والتفاؤل و الإخلاص في العمل.
11- التوافق النفسي والصحة النفسية .
12- الذكاء المهني والقدرة على الانسحاب من المواقف التي تقلل من شأنه.

الخاتمة:

من خلال دراسةِ مفاهيم الآداب في كتاب الآداب لابن شمس الخلافة  والتي يجبُ أنْ يتحلَّى بها الكاتب، يّظهر أنَّ للمرشدِ(الكاتب) خصال عليه أنْ يتحلّى بها في كل المراحل المهنيّة والحياتيّة التي يمرُّ بها، سواء أكان ذلك من موقعه في مركز السلّطة أي في حضرة التلميذ ليتحلّى عندها بخصال القادة والملوك، أم كان من موقعه في مركز المقربين من أصجاب القرار مثل المدراء والمستشارون التربويون وغيرهم ليتحلّى عندها بخصال من هم في صحبة الملوك، أم كان من مركز الزمالة والصداقة ليتحلّى بخصال الاخوان، أم كان من مركزه الشخصي ليتحلّى بالسمات الاخلاقيّة والثقافيّة والمعرفيّة، لكي يُمكِّنهُ ذلك، من خلال تجاربُهُ المهنيّة، أنْ ينقل هذه الخصال في تفاعلاته التربوية والاحتماعية.  وهذا الامر جليّ في مفهوم أداب الكاتب إذ لوحِظَ للملك خضال محمودة تراوحتْ بين الشدّةِ واللينِ، والقوّةِ والمرونةِ، والمهابةِ والمحاباةِ، والكرمِ والعطاءِ والعدلِ، والحنكةِ السياسيّةِ. وأخرى اتّشحتْ بخصالٍ مذمومةٍ كالجُبْنِ والغضبِ والكذبِ والبخلِ والحسدِ. وقد ظهرَ أنَّ مفهومَ آدابُ صحبةِ الملوكِ ترواح ما بينَ الحذرِ والخطورةِ، والدلالةِ المعنويةِ والسلطويّةِ. لذا توجبَ على من كان بصحبتهم أنْ يتحلّى بآداب وخصال تعينهم في خدمتهم كالوفاءِ والأمانةِ والصدقِ والتحلي بالمعرفةِ واجتنابِ الغشِّ والغيبةِ. وقد ظهرَ في آدابِ الإخوان مدلولًا مضافًا لمفاهيمِ كلمةِ أدبٍ في مقامات محمودةٍ تدورُ في فلكِ الصداقةِ كاالوفاءِ والتواضعِ والصدقِ والمروءةِ والمحبّةِ، وأخرى مذمومة  كالكذبِ والجهلِ. وقدْ تبيَّن أيضًا أنَّ مفهومَ كلمة أدبٍ قدْ حَملتْ مدلولًا مُضافًا، ظهرَ ذلك في آدابِ الثقافةِ والمعرفةِ، وهو معرفةُ العربيّةِ بشعرِها، ونسبِها، وسيرِها، والقدرةِ على الأدراكِ والإسنباطِ وتقبُّلِ النصح، والتي تحملُ جميعُها لذةَ الإدراكِ والراحةَ والزينةَ والقيادةَ ويهدف ذلك غلى تقويم المثقف “الراغب عن التعليم[53] . وأخيرًا فقد تبيّنَ أنَّ آدابَ الأخلاقَ هي الأشملُ والأعمُّ في تحديدِ مفهومِ كلمةِ أدب، لأنها متداخلةٌ مع بقيّتْ المفاهيمِ؛ مثلُ آدابُ الملوكِ والأخوانِ والثقافةِ والمعرفةِ. وبدا ذلك، لأهميّة الأخلاق في بناءِ المملكاتِ ورجالِها ومن يصحبُهم وفي بناءِ علاقاتِ الأخوّة والصداقةِ  وفي بناء صرحِ العلمِ والثقافةِ وفي بناء النفس، ففي صلاحِ الأخلاقِ صلاحها جميعها وإنْ ساءتْ ساءتْ جميعها وهو مفهومٌ يدورُ في فلكِ الصدقِ والوفاءِ والتواضعِ والتسامحِ، واجتنابِ الحسد، الغيبة، وسوء الظّن والكبر ومن الملاحظ أنَّ هذه المفاهيم هدفها التهذيب والتعليم بغيةَ تقويم من هم عن سبيل الأدب ناكبين ومن اسمه متطيرين ولأهله كارهين[54]  تبيَّنَ أنَّ مدولَ كلمةِ أدب قدْ اكتسبَ مفاهيمَ جديدةً اتخذتْ التهذيبَ والتعليمَ رداءً لها حيث ظهر أنَّ المبادئَ والخصالَ الخلقيَّةَ، سواءً أكانتْ مستمدةً من الدين أم من أقوال الحكماء اليونانين والفرسِ، هي الأعمُّ والأشملُ في قراءةِ مفاهيمِ الأدبِ لدى ابن شمس الخلافةِ التي تلوَّنتْ بطلاء المقام الذي وجدتْ فيه .

قائمة المصادر والمراجع

ابن قتيبة، عبد الله الدينوري: أدب الكاتب. تحقيق علي فاعور، ط1، بيروت، دار الكتب العلميّة، 1408/1988.

ابن منظور، محمد بن جمال الدين الأنصاري: لسان العرب. بيروت، دار صادر، لا ط، لا تا.

الثعاليبي، أبي منصور ، كتاب آداب الملوك حققه عبد الحميد حمدان، الطبعة الأولى، عالم الكتب، 1428/2007.

الذهبي، الحافظ شمس الدين: سير أعلام النبلاء. تحقيق شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، ط3، ج25، 1405/1985.

الريشي، محمد: ميزان الحكمة، قم، دار الحديث، ط 1، أربعة أجراء، 1422هـ.

[1]  ابراهيم مصطفى : المعجم الوسيط. المكتبة الاسلاميّة للطباعة والنّشر، تركيا، ج 1، ط1، 1960، ص 346.

[2] – ابن منظور: هو  محمد بن مكرم بن علي، أبو الفضل جمال الدين ابن منظور الأنصاري، عالم في الفقه واللغة  له العديد من المؤلفات أبرزها معجم لسان العرب ومختار الأغاني ومختصر الذخيرة.

[3] – ابن منظور: لسان العرب، بيروت، دار صادر، لا تاريخ، الجزء 1، ص 206.

[4] – م.ن. ص206.

[5] – م.ن. ص 206.

[6] – م.ن. ص207.

[7]  الحافظ الذهبي: سير أعلام النبلاء ، تحقيق شعيب الأرناؤط ،مؤسسة الرسالة،  ط 3 ، ج 22، 1985،  ص 300.

[8]  ابن شمس الخلافة: كتاب الآداب. ص25

[9] م.ن. ص 26

[10] م.ن.ص27

[11]  ابن شمس الخلافة: كتاب الآداب. ص 26 .

[12]  م.ن. ص27

[13]  أبو منصور الثعالبي: آداب الملوك. تحقيق عبد الحميد حمدان، ط1، عالم الكتب،1428/2007، ص 43.

[14]  ابن شمس الخلافة: كتاب الآداب. ص 29.

[15] م.ن.ص 17.

[16] م.ن.ص 16.

[17] م.ن. ص18.

[18] ابن قتيبة: آداب الكاتب. تحقيق علي فاعور، ط1، بيروت، دار الكتب العلميّة، 1408/1988, ص16.

[19] ابن شمس الخلافة: كتاب الآداب. ص 29.

[20] م.ن.ص 29.

[21] م.ن. ص34.

[22] م.ن. ص34.

[23]  م.ن.ص34.

[24] م.ن.ص35.

[25] م.ن.ص 28.

[26]  ابن شمس الخلافة: كتاب الآداب.ص 17.

[27] م.ن.ص 114-115.

[28] ابن شمس الخلافة: كتاب الآداب. ص 61.

[29] م.ن.ص 9.

[30]  م.ن.ص 20.

[31] م.ن.ص40.

[32] م.ن.ص52.

[33] م.ن.ص 24.

[34] ابن شمس الخلافة: كتاب الآداب. ص12.

[35] م.ن. ص 53.

[36] م.ن. ص4.

[37] م.ن.ص 51.

[38]: محمد الريشي: ميزان الحكمة. دار الحيث، قم،  ط1 ، ج3، 1422هـ، ، ص2265.

[39] م.س.ص6.

[40] ابن شمس الخلاف: كتاب الآداب. ص50.

[41] م،ن. ص28.

[42] م.ن.ص28.

[43] م.ن.ص28.

[44] م.ن.ص142.

[45] م.ن.ص154.

[46] ابن شمس الخلافة: كتاب الآداب. ص50.

[47] م.ن.ص 4.

[48] م،ن،ص31.

[49] م.ن.ص32.

[50] م.ن، ص35.

[51] م.ن. ص139.

[52]  ابن قتيبة: أدب الكاتب. ص21.

[53] ابن قتيبة: أدب الكاتب، ص9.

[54]  م.ن.. ص9

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: