رواد الثقافة والأدب

السرقة عند الأطفال / براء خالد شامي سلطان

دورة الإرشاد التربوي

عالم الأطفال يختلف أشد الإختلاف عن العوالم الأخرى، تكمن في جوفه التصرفات الطفولية المليئة بالمرح، الضحك والحياة، للإنسجام معهم يجب علينا الرجوع بالزمن إلى طفولتنا ليحل التفاهم بيننا والقدرة على معرفة سبب سلوكياتهم المختلفة، التعامل معهم بأسلوب مليء بالعطف والرقة حتى يسهل علينا الطريق ليتقربوا نحونا دون خوف وبالتالي يسهل استعاب اضطراباتهم ومشاكلهم التي قد تعترضهم..

لن نجد صعوبة في تحديد السلوكيات وأسبابها عندما ننظر له بعين الطفل وليس الراشد..

فما أكثر المشاكل والإضطرابات التي تصيب مرحلة الطفولة، فيها الطفل عبارة عن ورقة بيضاء نحن من نملي تلك الورقة بما يناسبها، نطورها ونجعلها سويّة لتواجه فيما بعد المجتمع بشكلٍ لائق وسويّ..

سأتحدث الآن عن (السرقة) كونها من أخطر المشاكل التي تصيب الأسرة والمجتمع معًا، لأنها تنمو وتكبر إن بقيت داخل الطفل دون معالجة، فتأثر عليه سلبًا وعلى كافة النواحي.

السرقة مضرة جدًّا للدين والأخلاق وحتى لنظرة المجتمع، نحن الكبار ندرك أبعادها وخطورتها على المرء، لكن الأطفال جاهلين أو بمعنى آخر غير مدركين حجم تلك المشكلة عليهم ومدى صعوبتها إن شبّت معهم، لذا فالسرقة سلوك يقلق الأهل أكثر من غيره ومن هنا سأنطلق بتعريف السرقة، لأنتقل إلى الأسباب المؤدية، بعدها سأقدم العلاج والوقاية للتخلص منها بشكلٍ نهائي دون رجوع..

تعريف السرقة لدى الأطفال:

السرقة هي أخذ الطفل لممتلكات غيره دون طلب الإذن أو حتى دون معرفة الشخص بذلك، تحصل بطريقة تلقائية وعفوية دون معرفة الخطر منها، هي عادة يكتسبها الأطفال وتحدث بعفوية أي أنها ليست وراثية، بهدف إشباع وسد حاجاته التي تنقصه، فالطفل عادةً في عمر الأربعة سنوات لا يستطيع التفريق بين الملكية العامة والخاصة، نراه يأخذ أغراض نالت إعجابه في الروضة، أو لعبة أحبّها مع رفيقه..

لا بنبغي علينا إطلاق تسمية (سرقة) على هذا العمر لأنه لم يصل بعد إلى النضج العقلي الذي يسمح له بالتفريق بين الملكية الخاصة والعامة، في سن الخامسة نبدأ بكشف حقيقة ذاك السلوك أمام الطفل على أنه سلوك خاطئ..

أسباب السرقة عند الأطفال:

١الجهل بمعنى الملكية:

إن عدم اكتمال النضج العقلي أو الإجتماعي يؤدي بالطفل إلى أخذ ممتلكات غيره دون معرفة أنه سلوك سيئ ويعد سرقة، فهو يجهل التمييز بين الملكية الخاصة والعامة لهذا لا نستطيع أن نقول عنه سارقًا.

يجب على الأهل تنمية معنى الملكية لدى أطفالهم، بحيث أن يبتعدوا عن استخدام لعبة واحدة لجميع الأخوات، ففي هذه الحالة يقفد الطفل حسّ الملكية الذي هو بحاجتها تلقائيًّا، وأيضًا هذا لا يعني تشجيعه لحدّ الأنانية، إنما الهدف مساعدته على التفريق بين ما له وما يملكه الآخر، فمثلًا جلب ثياب خاصة به، منشفة ملونة كي يستطع تمييزها من بين الجميع أنها له.

إن تمييز ملكية الذات على الملكية الآخر تبدأ مع الطفل في البيت لتنتقل إلى المدرسة بعدها إلى المجتمع بشكلٍ أكبر وأوسع، ليصبح الغرض عبارة عن أمانة.

٢التقليد:

في مرحلة الطفولة المبكرة ينتمي الطفل إلى تقليد من حوله بطريقة قويّة ومستمرة.. قد تؤثر وسائل الإعلام بطريقة غير مباشرة على سلوكه، مثلًا في الأفلام قد يكون  البطل هو السارق القوي يستطيع أخذ أي شيء يريده، سينجذب له الطفل لأنه أثار إعجابه وفضوله، وبالتالي سيسير بعدها إلى تقليده وبهذه الطريقة أثرت هذه الوسائل بطريقة رديئة جدًّا على شخصيته، ومن الممكن أن تكون السرقة سبب تقليد الأهل فمثلًا قد ينشأ الطفل منذ ولاده على سرقة أمه لأبيه دون علمِ أبيه بهذا، هكذا ستعتاد عيناه على المشهد ليصبح فيما بعد قادرًا على تقليدها، بزعمه أنه عمل نبيل دون فهم أضراره..

٣الحرمان والفقر:

يمد الطفل يده لسرقة شيء بحاجة له، من الممكن أن تكون عائلته فقيرة جدًّا ويشعر بالجوع الموجع، بطريقة مباشرة سيأخذ طعامًا من العربات أو من متجر مليء بالطعام لسد جوعه به، وقد يكون بسبب بخل والديه عليه فيلجأ للسرقة ليريح نفسه من ضجيج معدته..

في بعض الأحيان قد تكون عبارة عن إشباع ميل، عاطفة أو هواية، قد يسرق لعبةً أو دراجةً أو يدخل لمدينة الملاهي لإشباع حاجته للرفاهية والتسلية..

٤حب الإستكشاف والإستطلاع:

في بعض الحالات قد تكون السرقة سبب الأهل وخاصةً الأم، تجاهد ليبقى غرضها سليمًا دون خدش تسعى لإبعاده عن متناول يد طفلها، وبالتالي تنبهه مرارًا وتكرارًا على عدم كسر أي لعبة من ألعابه، وتقفل الخزانة جيّدًا مع وضع أغراضها فيها، هذا قد يخلق عند الطفل حب الإستطلاع لما تخفيه عنه وليس بهدف السرقة، وبالتالي أي غرض تنساه أمامه يختال عليه بسرعة ويخبئه عن أعينها جيّدًا..

٥- الإنتقام من الآخرين:

يلجأ الطفل للسرقة بهدف الإنتقام، قد يتعرض في الروضة لموقف محرج من قبل زملائه مما يؤدي إلى سلوك عدواني، فيسرق ممحاة أو ممبراة لرفيقه ويستمتع ببكاءه بزعمه أنه رد اعتباره، وقد يسرق الطفل بهدف الإهتمام من الممكن أن يعاني من نقص في العاطفة من قبل والديه لأسباب عدة ممكن طلاق أو خلاف أو ظهور أخًا جديدًا له فيلجأ للسرقة كي يأخذ ويحصل على الإهتمام ولو بسلوك سيئ، بزعمه أنه وبتلك الطريقة سيهتمون مجددا به ويشبعون نقصه بالحب والرعاية..

٦- الغيرة:

قد يسرق الطفل غرض محبب كثيرًا لدى أخيه بسبب الغيرة منه، يرى تفوقه عليه دائمًا وأنه يملك من الحسن والجمال ما لا يملكه هو، فيسرقه بسبب غيرته القوية التي تغلبت عليه كي يرى انهزامه ودموعه المنهمرة..

٧- الخوف من العقاب:

قد يفقد الطفل أحد أدوات التعليم كالقلم أو المسطرة، فيعتريه الخوف من والديه أو من عقابهما له بسبب ضياعه للغرض، فيلجأ للسرقة للتخلص من العقاب..

٨- الدلال الزائد:

قد يشبّ الطفل على أسلوب معين، كل شيء يريده يحصل عليه، من الممكن أن يطلب شيء ويرفضه والديه فيشعر بشيء من الذهول، يلجأ بعدها لسرقته رغمًا عنهم، لهذا التدليل الزائد وقبول كل شيء يؤدي بالطفل إلى كل ما تراه عيناه ويتمناه هو له..

أساليب الوقاية من مشلكة السرقة عند الأطفال:

تعليم القيم:

غرس الأمانة في نفوس الأطفال شيء مهم جدًّا ليس فقط من واجب الأهل بل من واجب المدرسة أيضًا، الأمانة سلوك حميد لها وجهين معنويًّا وماديًّا، نستطيع غرس ذاك السلوك من خلال توضيح هذه القيمة لدى الأطفال من معلمات رياض الأطفال، مكافأة وتقدير كل من يصونها ويحافظ عليها، ونجعله يكتسب أن هذا السلوك يؤدي باحترام صاحبه وتقديره جدًّا، ومن واجب الأهل تعليم أطفالهم على القيم والأخلاق الحميدة، وأن المجتمع هو ليس لفرد معين بل للجميع، تعليمهم الحفاظ على ملكية الآخرين في وجودهم وعدم وجودهم، وعدم السرقة فهذا سلوك غير نبيل يؤدي إلى فشل صاحبه في نهاية المطاف، عندما ينشأ الطفل على القيم يؤدي إلي ولادة فرد سويّ يتقبل نفسه وغيره..

٢- إشباع حاجات الطفل:

 من الضروري إشباع حاجة الطفل من المسكن والمأكل الحماية والعاطفة فهذا قد يبعد الطفل عن وسواس السرقة الذي يجول داخله لأنه مشبع بيولوجيًّا ونفسيًّا.

٣- التربية السليمة:

يجب تربية الأطفال تربية سليمة، الإبتعاد عن القسوة أو التدليل الزائد فالتوسط أمر ضروري، وعدم تلبية كل ما يريده الطفل فهذا قد يولد عنده حب التملك لكل ما يراه أو يحبّه، فأيضًا التوسط ضروري جدًّا في حياته الخاصة وبشكلٍ عام..

٤- تنمية وبناء علاقات وثيقة بين الأهل والأبناء:

يجب أن تكون العلاقة ديناميكية بحيث يتم التفاهم بينهم والقدرة على التعبير بحريّة دون خوف أو تردد، بهذا قد ينشأ الطفل دون خوف من عقاب والديه عليه في أي شيء قد يحصل معه دون قصد منه أو لأسباب أخرى..

٥- الإشراف على الطفل:

بالرغم من وضع الأخلاق الحميدة داخل الطفل وغرس القيم إلا أنه من الضروري بين فترة وأخرى الإشراف عليه وعلى علاقاته بحيث إن وجدت مشكلة يتم علاجها بالوقت المناسب قبل فوات الأوان..

٦- احترام ملكية الطفل:

يجب احترام ملكية الطفل فهذا قد يولد لديه وبطريقة غير مباشرة كيفية الإهتمام والإحتفاظ بملكية غيره حتى لو لم يكن حاضرًا..

٧- تعليمه حق الملكية:

ذلك من خلال تعليمه أن هناك أشياء يمكن له الحصول عليها وأشياء لا يمكنها أن تكون بمتناول يده، بهذا سنبعد عنه حب الأنانية بكل شيء، وأيضًا قيام اختبار أمامه إن تم السرقة بحيث نأخذ منه شيء من ألعابه ونعطيه لأخيه فإذا ثار وغضب نريه أنه هذا ما يحصل تمامًا إن اعتديت على ملكية الآخرين ..

 

علاج مشلكة السرقة عند الأطفال:

١- التحدث مع الطفل:

يفهم الأهل سبب السلوك دون توبيخ أو عقاب، التأني والإصغاء جيّدًا حتى تتم العناية بطريقة صحيحة وبشكلٍ نهائيّ..

٢- إلتزام الهدوء:

 لا نشعر الطفل أنه قام بجريمة فادحة وأيضًا لا نستخف بالموضوع على أنه عابر، كل ما علينا هو الإلتزام بالهدوء والتروي، فهم الأسباب وحلّها دون المبالغة بالعلاج أو خنقه بالتساؤلات..

٣- الفهم:

عند السرقة يجب علينا فهم الطفل أوَّلًا، يحيث نتعرف عن سبب ذاك السلوك، ربّما قد يكون سلوكه ناتج عن حرمان اقتصادي أو غيرة من رفقائه الذين يملكون نقود أكثر منه بهذا يتم تزويده بالنقود وبالمعلومات على أنه سلوك سيئ ولو كنت بحاجة عليك الطلب من والديك..

ربما ناتج عن حرمان عاطفي فيلجأ للسرقة للفت الإنتباه، على الأهل تزويده بالحب والعاطفة وسد النقص وقضاء الوقت الكافي معه..

وقد يكون عدم توضيح تلك الفكرة وعدم التمييز بين الإستعارة والسرقة بهذا ندله على الفرق بينهما..

٤- مواجهة المشكلة:

ذلك من خلال وضع الطفل مكان الذي سُلبت منه ملكيته، ونسأله عن شعوره حينها، آنذاك قد يتبين لدى الطفل أنه سلوك سيّئ ويستطيع تذوق طعم الشعور أيضًا..

وأخيرًا على الأهل أن لا تتملّكهم الصدمة نتيجة سرقة ابنهم، وأيضًا لا يدافعوا عنه وأمامه بدفاعٍ كاذب فهذا يؤدي بالطفل بالكذب توافقًا مع والديه، بل من الأفضل ويجب أن يتعاونوا مع طفلهم ليتخطوا تلك المشكلة سويًّا دون خوف وبشكلٍ نهائي دون عودة..

تعددت أسباب السرقة والنتيجة واحدة..

علينا مرافقة أبنائنا وتزويدهم بالأخلاق الحميدة كي ينشأوا عليها، هناك بيت من الشعر يقول “نعيب سلوك أبنائنا وما لهم عيب سوانا” لا ينفع ممارسة العشوائية في تربية قطعةً منا، وعلينا الوسطية في كل شيء، التدليل والحرمان الزائدين من دوافع السرقة فالسبيل للعلاج هو الوسطية..

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: