روّاد الصحف والآراء

لودريان: كلن بعني كلن

فاجأ وزير خارجية فرنسا جان إيف لودريان، في زيارته غير التقليدية هذه المرة للبنان، اهل السلطة الذين يصنّفون بالمفهوم الفرنسي في خانة “التقليديين”، وهم الذين سبق للرئيس الفرنسي إيمانويل أن إجتمع معهم مرّتين في خلال زيارتيه لبيروت. المفاجأة أن الوزير الفرنسي أهمل هؤلاء السياسيين وأكتفى بلقاء الذين يمثلون الناس على الأرض. وهذا يعني بالمفهوم الفرنسي من خلال تعاطيها اليومي مع اللبنانيين وأزماتهم أن هذه الطبقة، التي خيّبت آمال ماكرون، هي المسؤولة وبنسب متفاوتة عن هذه الأزمات، أو أقله هي مسؤولة عن عدم الإكتراث بما يحّل ببلاد الأرز من كوارث، حتى أن أنهم أثبتوا عجزهم عن التوافق على حكومة إنقاذية. فضّل لودريان أن يلتقي مطولا في قصر الصنوبر مع شخصيات سياسية وممثلين عن المجتمع المدني، تحت عنوان “القوى السياسية التغييرية”،في رسالة فرنسية واضحة للجميع مفادها أن باريس سيكون لها توجّه مغاير عما كانت تعتبره في الماضي من الثوابت السياسية في طريقة تعاطيها مع اللبنانيين، ولذلك إقتصرت لقاءات لودريان الرسمية على زيارة كل من رئيسي الجمهورية ومجلس النواب والرئيس المكلف سعد الحريري، وقد جاءت، وفق بعض المطلعين، بروتوكولية ورفعًا للعتب، لأن هدف مجيئه إلى لبنان كان للقاء هذه “القوى التغييرية”، والتي تعّلق عليها فرنسا الآمال الكبيرة، وتراهن على حيويتها وإندفاعها لتأسيس حياة سياسية جديدة في لبنان تقوم على اسس تغييرية حقيقية.وفي رأي أكثر من دبلوماسي مراقب للحركة الفرنسية الجديدة في لبنان أن باريس تعّول كثيرًا على هذه النوعية ممن أسمتهم “نخبة” المجتمع اللبناني، وذلك لإحداث هذا الفرق المنتظر في الحياة السياسية، ولذلك بدا لودريان حريصًا على أهمية إجراء الإنتخابات النيابية في موعدها الدستوري في ربيع العام 2022، لما يمكن أن تحدثه هذه الإنتخابات من خرق يُعّول عليه للتأسيس للمرحلة

لمقبلة، مع إعتراف الجميع بأن مواجهة الطبقة السياسية التقليدية المطبقة على الحياة السياسية في لبنان ليس بالأمر السهل، بإعتبار أن دون إحداث ثغرة في جدار هذه المنظومة عقبات كثيرة، وأهمها أن السلطة لا تزال تمسك بمفاصل هذه الحياة السياسية المفصّلة، بالتكافل والتضامن، على قياس مقاسات معينة ومحدّدة سلفًا.

وعلى رغم صعوبة إقرار قانون إنتخابي جديد فإن “قوى التغيير” التي ستخوض إنتخابات الـ2022، ولو بالقانون الحالي المشّوِه للنسبية الحقيقية، ستكون مصمّمة، وفق ما هو ظاهر، بإتحاد كلّي تحت لواء تجمّع وطني يضم مختلف القوى الفاعلة في الحراك المدني وعدد من الأحزاب المعارضة، والذي سيعلن عنه قريبًا، وهو يمثّل مختلف شرائح المجتمع اللبناني بكل أطيافه وتلاوينه وتعدّديته، وذلك من أجل الدخول إلى البرلمان، ولو جزئيًا، كخطوة أولى في مسار إصلاحي طويل الأمد، والذي لا بدّ من أن يبدأ من مكان ما.

فإجتماع وزير خارجية فرنسا بهذه “النخبة” هو بمثابة إقرار بأهمية هذه الحركة ، وبأن باريس المنزعجة من “ولدنة” بعض السياسيين ودلعهم مصمّمة على إنجاح “الحركة الشبابية التغييرية”، وذلك وفق برنامج محدّد الأطر والأهداف.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: